فكيف بالمقبلين إلي. قيل رحمك الله ما الذي أفاد قلوب العارفين وأهل العقل عنه في مخاطبة الآية؟ قال: تلقوا المخاطبة من الله بقوة الفهم عن الله حتى كأنهم يسمعون منه وأنه أقرب إليهم في وقت البلاء من أنفسهم إلى أبدانهم، فعلموا أنهم بعينه فقووا على إقامة الصبر والرضا في حالة المحن إذ كانوا بعين الله، والله تعالى يراهم، فحين أسقطوا عن قلوبهم الاختيار والتملك باحتيال قوة، ولجوا إليه وطرحوا الكنف بين يديه، واستبسلت جوارحهم في رق عبوديته بين يدي مليك مقتدر، فشال عند ذلك صرعتهم، وأقال عثرتهم، وأحاطهم من دواعي الفتور، ومن عارض خيانة الجزع، وأدخلهم في سرادق حسن الاحاطة من ملمات العدو ونزغانه وتسويله وغروره، فأسعفهم بمواد الصبر منه، ومنحهم حسن المعرفة والتفويض، ففوضوا أمورهم إليه وألجئوا إليه همومهم، واستندوا بوثيق حصن النجاة رجاء روح نسيم الكفاية، وطيب عيش الطمأنينة وهدو سكون الثقة، ومنتهى سرور تواتر معونات المحنة، وعظيم جسيم قدر الفائدة، وزيادات قدر البصيرة، وعلموا أنه قد علم منهم مكنون سرهم، وخفي مرادهم، ويكون ما حصل في القلوب من يقينهم وما شارت إليه في بواطن أوهامها، وسر غيبها، فعظم منهم حرص الطلب، وغاب منهم مكامن فتور الجد لمعرفة المعذرة فيهم. فهؤلاء في مقامات حسن المعرفة وحالات اتساع الهداية، وحسن بهاء البصيرة، فاعتزوا بعزة الاعتماد على الله. فقال له السائل: حسبي رحمك الله، فقد عرفتني ما لم أكن أعرف وبصرتني ما لم أكن أبصر، وكشفت عن قلبي ظلمة الجهل بنور العلم، وفائدة الفهم، وزيادات اليقين، وثبتني في مقامي، وزدتني في قدر رغبتي، وروحتني من ضيق خاطري. فأرشدك الله إلى سبيل النجاة، ووفقك للصواب بمنه ورأفته إنه ولي حميد.
• أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني قال سمعت الجنيد يقول سمعت أبا عبد الله الحارث بن أسد يقول - وسئل عن المراقبة لله وعن المراقب لربه - فقال: إن المراقبة تكون على ثلاث خلال،