للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من وصل، لو وصلوا ما رجعوا. فقال: قول أبي سليمان يحتمل أجوبة كثيرة. قبل اشرح منها شيئا. قال: يمكن أن يكون هذا من أبي سليمان على طريق التحريض للمريدين لئلا يميلوا إلى الفتور، ويحترزوا من الانقطاع، ويجدوا في طلب الاتصال والقربة إلى الله ﷿، ويحتمل أن يكون أراد عاليا: ما رجع إلى الزلل من وصل إلى صافي العمل. ويحتمل: ما رجع إلى وحشة الفتور من تقحم في المقامات السنية من الأمور. ويحتمل: ما رجع إلى ذل عبودية المخلوقين من وصل إلى طيب روح اليقين، واستند إلى كفاية الواثقين واعتمد على الثقة بما وعد رب العالمين، فعلى هذه المعاني يحتمل الجواب في هذه المسألة على سائر المقامات. فبات السائل تلك الليلة عند الحارث، فلما أصبح قال الحارث: رأيت فيما يرى النائم كأن راكبا وقف وأنا أتكلم في هذه المسألة فقال - وهو يشير بيده -: ما رجع إلى الانتقاص من وصل إلى الإخلاص. قال: وسئل الحارث فقيل له: رحمك الله البلاء من الله للمؤمنين كيف سببه؟ قال: البلاء على ثلاث حجات على المخلطين نقم وعقوبات وعلى المستأنفين تمحيص الجنايات، وعلى العارفين من طريق الاختبارات.

فقيل له: صف تفاوتهم فيما تعبدوا به. قال: أما المخلطون فذهب الجزع بقلوبهم وأسرتهم الغفلة فوقعوا في السخط، وأما المستأنفون فأقاموا لله بالصبر في مواطن البلاء حتى تخلصوا ونجوا منه بعد مكابدة ومئونة، وأما العارفون فتلقوا البلاء بالرضا عن الله ﷿ فيما قضى، وعلموا أن الله عدل في القضاء فسروا بحلول المكروه لمعرفة عواقب اختيار الله لهم. قيل له: فما معنى هذه الآية ﴿(ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم)﴾ أو لم يعلم؟ قال: بلى قد علم ما يكون قبل أن يكون، ولكن معنى قوله ﴿(حتى نعلم)﴾ حتى نرى المجاهدين في جهادهم والصابرين في صبرهم. وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل إني لحفي بالمريدين لي وأن بعيني ما تحمل المتحملون من أجلي، وما يكابد المكابدون في طلب رضائي، أتراني أضيع لهم عملا، أو أنسى لهم أثرا، كيف وأنا ذو الجود أجود بفضلي على المولين عنى،

<<  <  ج: ص:  >  >>