إلا وقفت. فوقف ثم قال لي: قل وأوجز. قلت توصيني بوصية أحفظها منك وتدعو لى بدعوة: فأنشأ يقول:
يا طالب العلم هاهنا وهنا … ومعدن العلم من جنبيكا
إن كنت تبغي الجنان تسكنها … فاذرف الدمع فوق خديكا
وقم إذا قام كل مجتهد … تدعوه كي ما يقول لبيكا
ثم مضى وقال: يا غياث المستغيثين أغثني. فقلت له: ارفق بنفسك فلعله يلحظك لحظة فيغفر لك. فصرف يده من يدى وعدا وهو يقول:
آنست به فلا أبغي سواه … مخافة أن أضل فلا اراه
فحسبك حسرة وضنا وسقما … بطردك من مجالس أولياه.
• حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال قرئ على أبي الحسن أحمد بن محمد بن عيسى وأنا حاضر قال سمعت يوسف بن الحسين يقول قال الفتح بن شخرف:
كان سعدون صاحب محبة لله لهج بالقول صام ستين سنة حتى خف دماغه فسماه الناس مجنونا لتردد قوله في المحبة. قال الفتح: فغاب عنا زمانا وكنت إلى لقائه مشتاقا لما كان وصف لي من حكمة قوله، فبينا أنا بفسطاط مصر قائما على حلقة ذي النون فرأيته عليه جبة صوف على ظهره مكتوب: لاتباع ولا توهب. وذو النون يتكلم في علم الباطن فناداه سعدون: متى يكون القلب أميرا بعد ما كان أسيرا؟ فقال ذو النون إذا اطلع الخبير على الضمير فلم ير في الضمير إلا حبه لأنه الجليل العزيز. قال: فصرخ صرخة خر مغشيا عليه ثم أفاق من غشيته وهو يقول:
ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى … ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر
ثم قال: أستغفر الله غلب علي حبيبي ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم قال: يا أبا الفيض إن من القلوب قلوبا تستغفر قبل أن تذنب؟ قال نعم تلك قلوب تثاب قبل أن تطيع. قال: يا أبا الفيض اشرح لي ذلك. قال: يا سعدون أولئك أقوام أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين، فهم قد فطموا النفوس من روح الشهوات، فهم رهبان من الرهابين، وملوك في العباد، وأمراء في