وقائلُ ذلكَ مؤمنٌ لم يظنَّ في ذلك حرجًا (١)، برَّأهُ اللّهُ تعالى من ذلك، ونزَّههُ ونبَّهَ على عصمته ﵇ بأنَّ النبوةَ والغُلولَ متنافيان، لئلا يَظنَّ ظانٌّ في حقهِ شيئًا منه، ولا يستريبَ أحدٌ.
وقرئ: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ على البناءِ للمفعولِ (٢)؛ والمعنى: وما صحَّ له أن يُوجَد غالًّا، أو أن يُنسبَ إلى الغلولِ.
﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يأتِ بالشيء الذي غلَّهُ بعينه فيُفتضَح به على رؤوس الخلائق (٣)، وهذا ما يقتضيه مساق الكلام، وأمَّا حملُه على عنقه (٤) كما وردَ في بعضِ الأحاديثِ، فغيرُ منظورٍ إليه في هذا المقامِ (٥).
ثم إنهُ مخصوصٌ بما لَهُ ثقلٌ على ما يُفهَمُ من قوله ﵇ لأبي هريرةَ ﵁: "لا تخبَئنَّ من أميركَ (٦) شيئًا من الغنائم، إذًا تخرج يوم
(١) هذا رد على الزمخشري ومتابعيه - كالبيضاوي والآلوسي - في جعل القائل منافقًا. انظر: "الكشاف" (١/ ٤٣٤)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٦)، و"روح المعاني" (٥/ ١٠٠). (٢) هي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ٩١). (٣) في هامش (د) و (ف): "والصرف عن ظاهره قائلًا: إن المراد وباله وتبعته، يرده نصوص الأحاديث. منه". (٤) قوله: "فيفتضح به على رؤوس الخلائق وهذا ما يقتضيه مساق الكلام وأما حمله على عنقه" من (م). (٥) لعله يريد حديث أبي هريرة الطويل في البخاري (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١)، وأوله: قام فينا رسول اللّه ﷺ ذات يوم، فذكر الغلول فعظمه، وعظم أمره، ثم قال: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله ﷺ، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك" الحديثَ. ولا أدري لم هو غير منظور إليه مع التصريح فيه بأمر الغلول. (٦) في (ف) و (م): "أمرك".