للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾: أنه (١) لا ينافي الرسالةَ المضيُّ لسبيلهِ، فسيمضي كما مضَتِ الرسلُ من قبله، وما كانَ مضيُّهم سببًا لانقلابِ أتباعِهم عما كانوا عليه، فسبيلُكم أن تتمسَّكُوا بدينِه وطريقتِه في الجهادِ وغيرِه كما تمسَّكَ أتباع الرسلِ بعدَهم بما كانوا عليهِ، فإنَّ المقصودَ من الرسالةِ التبليغُ لا البقاءُ بين الأمةِ، وقد بلَّغَ.

ثم عنَّفهم ووبَّخهم على ما كانَ منهم بقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ أتى بكلمة: (إنْ) وقد علِمَ أنه يكونُ تنزيلًا للسامع منزلةَ المتردِّدِ لاستعظامِه، وذكرَ القتل بقولِه:

﴿أَوْ قُتِلَ﴾ لكونِه مجوَّزًا عند المخاطبين، وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]- على تقديرِ نزوله قبلَ يوم أحدٍ - لا يأباهُ؛ إذ ليسَ كل آيةٍ يسمَعُها كل أحدٍ، ولا كلُّ سامع يستحضِرها في كلِّ مقامٍ؛ سيما مثل (٢) ذلك المقامِ الهائلِ.

﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ فحوى الكلامِ تفريعُ الإنكار على ما تقدم؛ أي: قد علمتُم مضيَّ الرسلِ، وتمسُّكَ أممهم بعدَهم بأديانهم، فكيفَ صحَّ انقلابُكم على أعقابكُم بمضيِّهِ بالموتِ أو القتلِ (٣)، إلا أنه قدَّمَ ما حقُّهُ التأخيرُ لاقتضاءِ أداة الاستفهامِ الصدارةَ في الكلامِ، لا إنكارُ التفريع على ما تقدَّمَ؛ لأن ذلك التفريعَ بمعزلٍ عن مذهبِ الأوهام، فردُّه لا يناسب المقام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.

﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قد سبقَ بيانه في سورة البقرة.

﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ بارتدادِه بل يضُرُّ نفسَه.


(١) "أنه" من (د).
(٢) "مثل": ليست في (ك) و (م).
(٣) في (ف) و (ك): "والقتل" والمثبت موافق لما في "تفسير البيضاوي".