﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تكذيبٌ وردّ على عبَدةِ عيسى ﵇.
وقيلَ: إنَّ أبا رافعٍ القُرظيَّ والسيِّد النجرانيَّ قالا: يا محمَّدُ! أتريدُ أن نعبُدَك ونتخِذك ربًا؟ فقالَ:"معاذَ الله أن آمرَ بعبادةِ غيرِ الله (١)، فما بذلك بعثني، ولا بذلكَ أمرَني"، فنزلَتْ (٢).
وقيلَ: قالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ! نسلِّمُ عليكَ كما يسلِّمُ بعضُنا على بعضٍ، أفلا نسجُدُ لكَ؟ قالَ:"لا ينبغِي أن يُسجَدَ لأحدٍ غيرِ اللهِ، ولكن أكرِموا نبيكُم واعرفُوا الحقَّ لأهلِهِ"(٣). ويناسب هذا قوله:
﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾: ولكن يقولُ: كونوا ربانيين، والربانيُّ منسوب إلى الربِّ، وزيادةُ الألفِ والنونِ للمبالغةِ؛ كما في اللِّحْيانيِّ والرَّقَبانيِّ (٤) وهو الكاملُ في العلمِ والعملِ.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾: بسببِ كونكُم معلِّمينَ الكتابَ، وبسببِ كونكم دارسينَ لهُ، فالباءُ متعلقٌ: بـ ﴿كُونُوا﴾، فالمطلوبُ هوَ الربانيةُ المسبَّبةُ عن العلمِ، وهذا إنما يدلُّ على أنَّ الربانيَّةَ والتمسُّكَ بطاعةٍ إذا لم تكُنْ مسبَّبةً عن العلمِ
(١) في هامش "د": "هكذا رواية محيي السنة في "معالم التنزيل"، وفي "الكشاف": أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله، ولا يخفى ما فيه من الحاجة التى التأويل ولهذا كثر فيه القال والقيل. منه". (٢) رواه ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٥٥٤)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٢٤)، عن ابن عباس ﵄. (٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٢٥)، ورواه عبد بن حميد عن الحسن كما في "الدر المنثور" (٢/ ٢٥٠)، و"العجاب في بيان الأسباب" (٢/ ٧٠٥). (٤) اللحياني: عظيم اللحية، والرقباني: غليظ الرقبة. انظر: "روح المعاني" (٥/ ٢٩٣).