والمراد بما فيهما: ما وُجد فيهما داخلاً في حقيقتهما، أو خارجاً عنهما متمكِّناً (١) فيهما، فهو أبلغ من قوله: له (٢) السماواتُ والأرض وما فيهنَّ.
ولمَّا ذكر مالكيَّته للكلِّ بيَّن ذلك بقوله:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بلغ من مالكيَّته وكبريائه أنْ لا يتمالكَ أحدٌ أن يتكلم يوم القيامة إلا (٣) مَن أذن له؛ لقوله: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨]، ثم بين ذلك بقوله:
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: ما كان قبلَهم وما يكون (٤) بعدَهم، فكيف بحالهم؟ ومَن أحاط علمُه بأحوال الخلق كلِّها يعلمُ المستوجِبَ للشفاعة وغيرَه، والضميرُ لـ (ما في السماوات والأرض)؛ لأن فيهم العقلاءَ، أو لِمَا دل عليه ﴿مَنْ ذَا﴾ من الأنبياء والملائكة (٥)﵈.
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾؛ أي: معلومِه، فإنَّ اسم المصدر يقع على المفعول، يقال في الدعاء: اللهم اغفرْ علمَك فينا؛ أي: معلومَك، وعطفُه على ما قبلَه لأنَّ مجموعهما يدلُّ على تفرُّده بعِلم مَن يَستحِقُ الشفاعة وغيرِه، وإنما فُصل المعطوف عليه عمَّا قبله لمَا أَشَرْنا إليه من أنه مُبيِّن لِمَا قبله، وأما على ما قيل: إن (٦) مجموعَهما يدل على تفرُّده بالعلم الذاتيِّ التامِّ الدالِّ على
(١) في (د): "متركناً"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٤). (٢) في (م): "له ملك". (٣) في (د): "إلا إذا". (٤) في (ف): "كان". (٥) "والملائكة" من (د)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ٣٠١)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٤). (٦) "إن" من (د).