للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

فالجملة بيان لـ ﴿الْقَيُّومُ﴾ بأنه مهيمنٌ على مَن يقوِّمه غيرُ غافل عنه، وتأكيدٌ لكونه حيًّا فإن مَن أخذه سنةٌ أو نومٌ كان مؤوفَ الحياة (١)، ولذلك تُرك العاطف فيه.

وتقديم السِّنَة على النوم على قياس المبالغة والترقِّي، فإنَّ سلب السِّنَة وإن كان أبلغَ من سَلب النوم لكنَّ سلبَ أَخْذِها ليس بأبلغَ من سلبِ أَخْذِه؛ لِمَا فيه من القوة، فمَن يقدر على دفعها قد لا يقدر على دفعه، فمَن وَهَم أنَّ قياس المبالغةِ عكسُه فقد وَهِم (٢)، حيث لم يفرِّق بين سلبهما وسلب أخذِهما.

وأيضاً السِّنةُ من طلائع (٣) النوم ومقتضياتِ سببه السابقةِ عليه، فنفيُ النوم بعد نفيها باعتبارِ أنه يستلزِم نفيَ سببه يكون أبلغَ، وأما نفيُ التشبيه فقد حصل بالحيِّ القيُّوم على المعنى المراد منهما.

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بيانٌ وتقريرٌ بنفي السِّنَة والنوم؛ لأن الذي يملكهما وما فيهما يحفظُهما وما فيهما بتدبيره، فلا يمكن أن ينام وإلا لزالَتَا عن النظام، ولهذا تَرتَّبَ على ما قبلَه من غير حرفِ عطفٍ، ولو كان تقريراً لقيوميته (٤) - كما قيل - لاتَّحد مع ما قبلَه في هذه الجهة، فكان حقَّه أن يُرتَّب عليه بحرفِ عطفٍ.


(١) المؤوف: الذي أصابته الآفة، وهو اسم مفعول من الآفة بمعنى العاهة. انظر: "القاموس" (مادة: أوف)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي" (١/ ٢٨٢).
(٢) وَهَمَ كوَعَدَ: ذهب وهمه إليه، ووَهِمَ كوَجِلَ: غَلِطَ. انظر: "القاموس" (مادة: وهم). فيكون معنى العبارة: فمن ذَهَبَ وهمُه إلى أن قياس المبالغة عكسه فقد غلط.
(٣) في (م): "دلائل".
(٤) في النسخ عدا (ك): "لقيومية"، والمثبت من (ك) وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٥٤)، و"وروح المعاني" (٣/ ٣٩٥). والكلام رد على ما قاله البيضاوي وتابعه فيه الآلوسي: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تقرير لقيوميتَّه واحتجاج به على تفرده في الألوهية.