﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فإن بلوغ المحلِّ يدلُّ على مسافة بين موضع الحصر وبين المحلِّ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].
والخطاب في ﴿وَلَا تَحْلِقُوا﴾ للمحصَرين؛ أي: ولا تتحلَّلوا حتى تعلَموا بلوغَ الهدي مَحِلَّه، ومَحِلُّه: مكانُه الذي يجب فيه نحرُه أو ذبحُه؛ كمَحِلِّ الدَّين وهو الوقتُ الذي يجب فيه قضاؤه، وإنَّما نحر الرسولُ في موضع الإحصار لأنَّ مُحْصَرَه كان طرفَ الحديبيَة الذي إلى أسفل مكة وهو من الحرم.
وقال الواقدي: الحديبيَةُ هي طرفُ الحرم على تسعةِ أميالٍ من مكة (١).
وعن الزهريِّ: أن رسول اللّه ﷺ نحر هَدْيه في الحرم (٢).
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الفاء للتعقيب، وفائدتها: دفعُ ذهاب الوهم إلى العطف على (إنْ أُحصرتم) على تقدير التصدير بالواو، فإنه حينئذ يلزمُ إخراجُ المريض عن حدَ المحصَر، ولا وجه له.
والخطاب في ﴿مِنْكُمْ﴾ للَّذين بَعثوا الهدي من المحصَرين، فالمعنى: مَن كان بعد البعث مريضًا [مرضًا](٣) يُحوِجُه إلى الحلق.
والتنكيرُ للتقليل، فينتظِم المرضُ المرخَّصُ ما في الرأس من الجراحة والقرحة.
﴿أَوْ بِهِ﴾ هو ما يؤذيه؛ أي: يُتعبه وَيشُقُّ عليه من بُخارٍ في الرأس وقملٍ،
= (١/ ١٢٩)، و"روح المعاني" (٣/ ١٩٦). (١) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٤٠). (٢) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٤٠). قال الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: ١٦): لم أجده. وانظر حديث ناجية بن جندب في "السنن الكبرى" للنسائي (٤١٢١). (٣) من "تفسير البيضاوي" (١/ ١٢٩).