﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ من (كان) التامَّةِ، أي: احْدُثْ فيَحْدُث؛ أي: لا يَدخله تأخير (١) عن وقته، ولا يمتنعُ عليه شيءٌ، ولا يَلحقه به تعبٌ، ولا يحتاج إلى استعمال آلةٍ ومزاولةِ عملٍ، استعارةٌ تمثيليةٌ شبِّهت الحالةُ (٢) التي تتصوَّر من تعلُّق إرادته تعالى بشيء من المكوَّنات وسهولةِ إيجاده إياه من غيرِ امتناعٍ ولا توقُّفٍ بحالةِ أمْرِ الآمِرِ النافذ تصرُّفُه في المأمور المطيع الذي لا يتوقَّف في الامتثال، فأُطلق على هذه الحالة ما كان يستعمل في تلك من غيرِ أن يكون هنا (٣) قولٌ وأمر.
وهذا أقربُ ما يتراءى لنا به المعنى المقصودُ، فلا تتَّجه المناقشةُ بأنَّ وجه الشَّبهِ في المشبَّه أقوى، وحقُّ التشبيه عكسُ هذا.
وذهب بعضهم إلى أنه حقيقةٌ، وقد جرت السنَّة الإلهية بأنه يكوِّن الأشياءَ بكلمة (كن)، فيكونُ المأمور هو الحاضرَ في العلم، والمأمورُ به الدخول في الوجود.
وقرئ برفع ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أي: فهو يكون، وبالنصب على جواب الأمر (٤)، وفيه تقريرٌ لمعنى الإبداعِ، وتأكيدٌ لاستبعاد الولادة المدلول عليه بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
وأما ما قيل: إنه حجة أخرى، وهو أن اتخاذ الولد مما يكون بأطوارٍ ومُهلةٍ، وفعلُه تعالى يستغني (٥) عن ذلك.
فيَرِدُ عليه أن ما يكون بأطوارٍ ومهلةٍ هو تكوُّن الولد على جَرْي العادة، فللمخالِف أن يقول: اتخاذه الولدَ على سبيل خرق العادة، ثم إنَّ فعله تعالى قد يقارن المهلة
(١) في "ك" و "م": (تأخر). (٢) في "ك" و "م": (الحال). (٣) في "ك": (هاهنا). (٤) قرأ بالنصب ابن عامر من السبعة، والباقون بالرفع. انظر: "التيسير" (ص: ٧٦). (٥) في "ك": (مستغن).