ومَن غفل عن هذا توهَّم التدافُعَ بينه وبين قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ فتكلف (١) في التوفيق.
واعلم أنه لا خلاف في أن ظاهر اللفظ في أول الأمر بقرةٌ مطلقةٌ مبهمةٌ، ولا في أن الامتثال في آخِرِ الأمر إنما وقع بذبح بقرةٍ موصوفة معيَّنة، حتى لو ذبحوا غيرها لم يكن مطابقًا، لكن اختلفوا في أن المراد به في أول الأمر هو البقرةُ المعيَّنة وأُخر البيان عن وقت الخطاب، أو المبهمة ولحقها التغييرُ إلى المعيَّنة (٢) بسبب تثاقلهم في امتثالهم وكثرةِ سؤالهم واستكشافهم.
والحقُّ هو الثاني؛ لقوله ﵇:"لو اعترضوا أدنى بقرةٍ فذبحوها لكفَتْهم، ولكن شدَّدوا فشدَّد الله تعالى عليهم" والاستقصاءُ شؤمٌ (٣).
ورُوي مثلُه عن ابن عباس (٤)، وهو رئيس المفسِّرين.
ولأن اللازم على الأول تأخيرُ البيان عن وقتِ الحاجة؛ لدلالة قوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨] على أنهم أُمروا بإيقاع ذبح البقرة قبل بيان اللون وكونِها مسلَّمة غيرَ مذلَّلةٍ، وهذا اللازم محذورٌ عند المخالِف أيضًا.
ومَن ذهب إلى الأول تمسَّك أولًا: بأن الضمائر في الأجوبة - أعني: (إنها بقرة
(١) في "ف": (وتكلف). (٢) في "م": (إلى المعينة الماهية). (٣) انظر: "الكشاف" (١/ ١٥١). ورواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ١٠٠) عن ابن عباس ﵄ موقوفًا، وله شاهد رواه البزار (٢١٨٨ - كشف) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وفي سنده عباد بن منصور، وفيه ضعف، وقال ابن كثِر: حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة. قلت: وقوله: (والاستقصاء شؤم) من كلام الزمخشري. (٤) انظر التعليق السابق.