﴿جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بما تحقَّقنا به، المراد: من البقرة، ففيه دلالةٌ على أنهم عرفوها بعينها، وروي أنَّه كان في بني إسرائيل شيخٌ صالح له عِجلةٌ، فأتى بها الغَيضة وقال: اللهم إني أَستودِعُكَها لابني حتى يكبرَ، وكان برًّا بوالديه، فشبَّت وكانت وحيدةً بالصفات المطلوبة، فساوَمُوها اليتيمَ وأمَّه، حتى اشتروها بملءِ مَسْكها ذهبًا، وكانت [البقرة] إذ ذاك بثلاثة دنانير (١).
﴿فَذَبَحُوهَا﴾؛ أي: فحصَّلوا البقرة الجامعةَ لهذه الصِّفات (٢) كلِّها فذبحوها، وإنما حُذف ما حُذف اختصارًا لدلالة المذكور عليه، والفاء ليست فصيحة لأن شرطها أن يكون المحذوف سببًا للمذكور، والتحصيل ليس سببًا للذبح وإنما سببُه الأمر به، بل للتعقيب وللدلالة على أنهم كما حصَّلوها ذبحوها (٣).
﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يعني: شيئًا من الذَّبح ومقدماتهِ؛ من تحصيل المأمور بذبحه، وتهيئةِ أسبابه وبهذا الاعتبارِ (٤) كان المذكورُ أبلغَ من: يذبحون.
و (كاد) من أفعال المقارَبة، وُضع لدنوِّ الخبر حصولًا، فالفعلُ المقرون به مقيَّد، والنفي الداخلُ عليه قد يُعتبر سابقًا على القيد، فيفيدُ معنى الإثبات بالتكلُّف كما في هذه الآية، وقد يعتبر مسبوقًا به (٥) فيفيد البعد عن الإثبات والوقوع؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف: ٩٣].
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ١٥٢)، وما بين معكوفتين منه. (٢) في (م) و (ك): "الأوصاف". (٣) في هامش "د": (فلا وجه لما قيل إنهم طلبوها أربعين سنة. رد سعد الدين). (٤) في "ح" و"د" و"ف": (لإفادة هذا التعميم) بدل: (وبهذا الاعتبار). (٥) كلمة: (به) ليست في "ح" و"ف".