للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

بما لا يعلمه المستثني، و (آخِرَ الأبد) كنايةٌ عن المبالغة في التأبيد، والمعنى: الأبد الذي هو آخِرُ الأوقات.

وتقدير الكلام: وإنا لمهتدون إن شاء الله، فقدِّم على ذكر الاهتداء اهتمامًا به، وحفظًا لرؤوس الآي.

ولا متمسَّك فيه لأصحابنا على أن الحوادث بإرادة الله تعالى؛ لأن دلالته على أن مراده تعالى واقعٌ، وأمَّا أن الواقع ليس إلا مرادَه فلا تعرُّضَ له (١)، ولا على أن الأمر قد ينفكُّ عن الإرادة؛ لأن محل الخلاف الأمرُ التكليفيُّ، وهذا الأمر للإرشاد على ما يرشد إليه قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ ولا خلاف فيه.

* * *

(٧١) - ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.

﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ صفة لـ ﴿بَقَرَةٌ﴾؛ أي: لم تُذلَّل للكِرَاب، من الذلِّ بكسر الذال، وهو خلافُ الصعوبة؛ يقال: ذلَّت الدابَّةُ ذِلًّا فهي ذلولٌ، وذلَّ الرجل ذُلًّا - بضم الذال - فهو ذليل.

﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ صفةٌ لـ ﴿ذَلُولٌ﴾ داخلةٌ تحت النَّفي، والمقصود نفيُ إثارتها


(١) أقول فيه بحث أما أولًا فلأن قائل هذا القول لو لم يعلم أن الحوادث بإرادة الله تعالى لم يصح تعليقه بقوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ بل يصير تعليقه عبثًا فدل هذا التعليق على طريق البرهان على أن الحوادث بإرادة الله تعالى.
وأما ثانيًا فلأن هذا الأمر تكليفي وإلا لما قيل ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ ولما قيل عقيبه ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ الآية ولما شددوا وشدد الله ولما امتثلوا حتمًا، فإن الامتثال في الإرشادي غير واجب وامتثالهم إنما هو بعلمهم بأن الأمر تكليفي وقولهم ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ لا يرشد على الإرشادي فإنه صادر منهم في بادئ نظرهم على ما صرح به. هداية الله. ويسمى مثل هذه الدلائل في عرف الأصول إشارة.