للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ اعتذارًا عنه، ولم يقل: إنَّ البقرة تشابه علينا، إذ لم يُردْ تشابه المعهود، بل أُريدَ أن الأوصاف المذكورةَ صدَقت على جماعةٍ من الجنس المذكور، فأشكَلَ علينا الأمر فيها؛ للتشابُه والتشارُك في تلك الأوصاف.

وقرئ: (تشابَهَتْ) مخفَّفًا ومشدَّدًا، قال القرطبيُّ وفي مصحفِ أبيٍّ: (تشَّابَهَتْ) بتشديد الشين، قال أبو حاتم: وهو غلط؛ لأن التاء في هذا الباب لا تُدغم إلا في المضارع (١).

وإنَّما ذكِّر الفعل لتذكير اللفظ؛ كقوله تعالى: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، وكلُّ جمعٍ حروفُه أقلُّ من حروفِ واحدِه جاز تذكيرُه، مثل: بقر ونخل وسحاب.

﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى البقرة المرادِ ذبحُها؛ لِمَا جاء في الحديث: "لو لم يَستثنوا لمَا بُيِّنتْ لهم آخِرَ الأبد" (٢)؛ أي: لو لم يقولوا: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وإنَّما سُمِّيت استثناءً لصَرْفها الكلامَ عن الجزمِ، وعن الثبوت في الحال من حيث التعليقُ


(١) انظر: "تفسير القرطبي" (٢/ ١٨٧). وذكر أبو حيان في "البحر" (٢/ ١٨٦) عن أبي أنه قرأ: (تشَابهت) بالتخفيف، أما قراءة التشديد فعزاها لابن أبي إسحاق، لكنه استبعد ذلك بقوله: وهذا لا يظن بابن أبي إسحاق، فإنه رأس في علم النحو، وممن أخذ النحو عن أصحاب أبي الأسود الدؤلي مستنبط علم النحو، وقد كان ابن أبي إسحاق يزري على العرب وعلى من يستشهد بكلامهم - كالفرزدق - إذا جاء في شعرهم ما ليس بالمشهور في كلام العرب، فكيف يقرأ قراءة لا وجه لها؟!
(٢) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (١٩٣ - تفسير) عن عكرمة مرفوعًا مرسلًا، والطبري في "تفسيره" (٢/ ٩٩) عن ابن جريج مرفوعًا معضلًا، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٤١) عن أبي هريرة مرفوعًا متصلًا، لكنه ضعيف لضعف سرور بن المغيرة الواسطي وعباد بن منصور، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: غريب، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة.