للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

في إحياء الميت والإعجاز، وقدِّم آخرُها لاستقلاله بنوعٍ آخر من مساويهم، وهو الاستهزاءُ بالأمر، والاستقصاءُ في السؤال، وتركُ المسارَعة إلى الامتثال، ولذلك لم يقل: قال موسى لقومه يا قوم، كما قال فيما تقدم، فإنه لمَّا كان جوابَ سؤالٍ لا ابتداءَ خطابٍ لم يناسب التصديرَ بالنداء، ثم أضمر في الثانية ضمير البقرة ليدلَّ بهذا الربط أنها قصةٌ واحدةٌ، وفيما يراد منها من التقريع والتعيير قصتان، ولو أُوردت مسرودةً على الترتيب لأَمْكن أن يُغفل عن ذلك.

وقصتُه: أنه كان فيهم شيخٌ موسِر، فقتله بنو عمِّه طمعًا في ميراثه، وطرَحوه على باب المدينة، ثم جاؤوا يطالبون بدمِه، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرةً ويَضربوه ببعضها ليَحْيَى فيُخبِرَ بقاتله.

والبقرُ اسمٌ للأنثى، واسم الذكر: الثور؛ مثل: ناقة وجمل.

وقيل: البقرة واحد البقر، الأنثى والذَّكر سواءٌ، وأصله من بَقَر؛ أي: شَقَّ، فالبقر يشقُّ الأرض بالحرث.

﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾؛ أي: أتجعلُنا نَفْسَ الهُزو؟! للمبالغةِ وفَرْطِ الاستهزاء، أو: أهلَ هُزء؟ أو: مكانَ هزء؟ أو: مهزوءًا بنا؟ للاختصار والإيجاز.

وأمَّا كونُ المفعول الأول جماعةً فلا دخل له في اقتضاءِ التأويلِ بالحذف، أو التجوُّزِ في المفرد أو الحكم؛ لأن ما أصلُه المصدرُ يجوز أن يكون خبرًا عن الاثنين وعن الجماعة؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١)


(١) في هامش "د" و"م": (قال صاحب الكشاف: جعل الرسول هنا بمعنى الرسالة، فجازت التسوية فيه - إذا وصف به - بين الواحد والتثنية والجمع. منه).