عليه قولُه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ وفي الجمع بينهما إشارةٌ إلى أن الذلَّةَ والمسكنةَ من روادفِ ما ابتغَوه من الزراعة والحراثة (١)، وقد جاء في الخبر:"والذلُّ في أذناب البقر"(٢).
والكلامُ كنايةٌ عن كونهم أذلَّاء متصاغرين، مبناها على الاستعارة: أمَّا في (الذلَّة) - تشبيهًا لها بالقبَّة - فهي مَكْنيَّةٌ، وإثبات الضرب تخييلي (٣)، وأمَّا في الفعل - أعني:(ضُربتْ) تشبيهًا لإلصاق الذلة ولزومها بضرب الطين على الحائط - فتكون تصريحيةً تبَعيةً.
والذلَّة: فِعْلةٌ من الذُّلِّ، كأنها هيئةٌ وحالٌ.
والمسكنة: من المسكين، وقال الزَّجَّاج: هي مأخوذةٌ من السكون، وهي هنا ذلُّ الفقر وخضوعُه، وإن وجد يهوديٌّ غني (٤) فلا يخلو من زي (٥) الفقر ومهانته مخافةَ أن تضاعَفَ جزيتُهم.
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: رجعوا به؛ أي: لزمَهم ذلك، ومنه قولُه ﵇ في دعائه ومناجاته:"أبوء بنعمتك"(٦)؛ أي: أُقرُّ بها وأُلزمها نفسي، هذا على ما ذكره الفرَّاء أن (باء) بمعنى: رجع.
(١) في "م" و"ك": (والحرث). (٢) رواه ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٨٤) من حديث أنس ﵁ وقال: حديث منكر. (٣) في "ك" و"م": (تخييل). (٤) في "ك": (غنيًا). (٥) في "ك": (يخلو من ذل)، وفي "م": (يخلو منه). (٦) قطعة من دعاء النبي ﷺ، رواه البخاري (٦٣٠٦) من حديث شداد بن أوس ﵁، وفيه: "أبوء لك بنعمتك … ".