للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ الأناس: اسم جمع لا واحد له من لفظه، والمراد: كلُّ سبط من أسباط بني إسرائيل، وكانوا على عدد العيون.

﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ المشرب: موضع الشرب، والعلمُ بموضعِ الشرب كنايةٌ عن عدم التجاوز عنه؛ كما يقال: فلان يعرف حده؛ أي: لا يَتجاوز عنه، ففي الكلام إيجاز بليغ حيث دل على سَبْق التعيين (١) والتخصيص.

قيل: كانوا ستَّ مئةِ ألفٍ، وسعةُ العسكر اثني عشر ميلًا.

﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ على تقدير القول.

وقيل: الماء يَنبت منه الزرع والثمار، فهو رزق يؤكل منه ويشرب. ولا وجه له في هذا المقام؛ لأنهم في التِّيه ما كانوا يأكلون من زرع الماء وثمره.

(من رزق الله) من المنِّ والسلوى وماء العيون، (مِن) للابتداء أو للتبعيض، والرزق: المرزوق، والإسناد إلى الله تعالى لعدم التوقُّف على الكسب العادي، وإلا فالرزق كلُّه مستندٌ إليه تعالى خلقًا وإيجادًا.

﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لمَّا كان قد تهيَّأ لهم المأكولُ والمشروب من غيرِ تعبٍ نُهوا عن الفساد؛ إذ كان ذلك قد يدعو إليه؛ كما قال الشاعر:

إن الشبابَ والفراغَ والجِدَةْ … مَفْسدةٌ للمرءِ أيُّ مَفْسَدةْ (٢)

والعِثِيُّ على ما ذُكر في "العين": أشدُّ الفساد (٣)، والفسادُ: خروجُ الشيء عن أنْ يكونَ منتفَعًا به، وربما لا يكون منهيًّا بل يكون واجبًا؛ كهدم دُور المشركين وحرق


(١) في "م" و"ك": (اليقين).
(٢) البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه (ص: ٤٤٨).
(٣) انظر: "العين" (٢/ ٢٣١)، ولفظه: عثِي يعثَى في الأرض عِثِيًّا وعَثَيانًا: أفسد.