والباء في: ﴿بِكُمُ﴾ للسببية؛ أي: بسببكم وبسببِ إنجائكم، ولا يجوز أن يكون للملابَسة؛ أي: مُلْتبِسًا بكم، ولا للاستعانة؛ أي: تسلكونها وتتفرَّقُ بكم كما يتفرَّقُ الشيء بالسكِّين عند قطعه؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] صريحٌ في أن انفصال البحر بعضِه عن بعضٍ وحصولَ المسالك كان بضربِ العصا قبل أخذِهم في السلوك، فإن في الفاء الفصيحة في قوله: ﴿فانفلق﴾ دلالةً على عدم تراخي الانفلاقِ عن الضرب.
﴿الْبَحْرَ﴾ هذا البحرُ كان قريبًا من مصرِ فرعونِ موسى ﵇، يقال له أسافًا، ويسمى اليوم: بحرَ القلزم (١).
﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ من خطرِ عبورِ البحر، وأخرجناكم من ضِيقِ مسالكه إلى سَعةِ البرِّ، وهذه الفاءُ أيضًا فصيحةٌ.
﴿وَأَغْرَقْنَا﴾ غَرِقَ في الماء من حدِّ عَلِمَ؛ أي: رسب فيه، فهو غَرِقٌ إذا كان لم يَمتْ بعدُ، فإذا مات فهو غريقٌ وجمعه: الغرقى.
﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أتباعَه، فهو أول الغرقى وأَوْلى (٢) به، فكان غرقه معلومًا دلالةً، وفيما في العدول من الضمير إلى المظهَر من التنبيه على أنَّ السبب لذلك الحال كونُهم (٣) أتباعَه نوعُ تأييد لتلك الدلالة.
﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ تقلِّبون أبصارَكم في الجهات نظرَ المبهوت إذا فاجأه خطبٌ (٤)،
(١) وهو المعروف اليوم بخليج السويس من البحر الأحمر. انظر: "معجم متن اللغة" (مادة: قلزم). (٢) في"د": (وأدنى). (٣) بعدها في "د": (فيما)، ولا يظهر لها وجه ارتباط بالسياق. (٤) في "ك": (الخطب).