للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

(٤٥) - ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.

﴿وَاسْتَعِينُوا﴾؛ أي: اطلبوا المعونة في دفع المكاره وجلبِ المنافع، فالاختصار للتعميم.

﴿بِالصَّبْرِ﴾ وهو حبسُ النفس، وقدِّمت الاستعانةُ بالصبر لتقدُّم تكاليفَ عظيمةٍ يَشُقُ التزامُها على مَن يألَفُها.

﴿وَالصَّلَاةِ﴾ كان رسول الله إذا حزَبه (١) أمر فزع إلى الصلاة، وهي أرفعُ منزلةً من الصَّبر؛ لأنها تجمع ضُروبًا من الصبر؛ إذ هي حبسُ الحواسِّ على العبادةِ، وحبسُ الخواطر والأفكار على الطاعة.

بل نقولُ: الأمر بالصبر تمهيدٌ للأمر بالصلاة؛ فإنَّ مرجع الجمعِ بينهما أن يصلُّوا صابرينَ على تكاليف الصلاة، محتمِلينَ لمشاقِّها وما يجبُ فيها من إخلاصِ القلب بدفعِ الوسواس ومُراعاةِ الآداب، ولهذا قال:

﴿وَإِنَّهَا﴾ وخصَّها بردِّ الضمير إليها دون (الصبر)، ولولا ذكرُ الصبرِ تمهيدًا لكان حقَّ (الصلاةِ) أن يعادَ فيها حرفُ الباء الدالَّةِ إعادتُها على الأصالة، والجملةُ اعتراضيَّةٌ.

وقيل: الصبر: الصوم؛ لأنَّه حبسٌ عن المفطِّرات، ومنه قيل: شهرُ رمضان شهرُ الصبر، وعلى هذا ردُّ الضميرِ إلى (الصلاة) ليس بطريقِ التخصيص، بل بطريقِ الاكتفاء بالأعمِّ أو الأقدم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] وقولهِ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا


(١) في "ح": (أخبر به)، وفي "ف": (أضربه)، وفي "م": (أحزنه).