للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وفي عبار التلاوةِ إشارةٌ إلى وضوح ما في التوراة من النهي عن هذا الوصفِ الذميم، بحيث يقف عليه كلُّ مَن يتلوه من أهل اللسان.

والتلاوة: إتْباعٌ اللفظِ اللفظَ، سواءٌ تُدُبِّر المعنى أو لا.

وفي الآية التحريضُ على تقديم العمل على القول، والوعيدُ على مخالفةِ القول العملَ، والنَّعْيُ على مَن يَعِظُ الغيرَ ولا يَعِظُ نفسَه.

وكان المنكَرُ تركَهم أنفسَهم لا أمرَهم غيرَهم بالمعروف، إلا أنه بدأ بالتوبيخ به إيماءً إلى أن ذلك التركَ بلَغ في الشناعة غايةً خرج ما يقارنُه من الفعل المندوبِ إلى مَعرِض المستنكَر، وفيه من المبالغة في الإنكار على سوء صنيعهم ما لا يَخفى.

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ توبيخ عظيمٌ بالهمزةِ وتوسيطِ الفاء؛ أي: أتفعلون ذلك فلا تعقلون، كأنكم مسلوبو العقولِ فلا تَفْطَنون لقبح ما ترتكبون فتنتهون.

والعقل أصله: المنع الشديد، ومنه: عقل البعير؛ لمنْعه إياه من الشرود، ومنه: العقل للدِّيَة لأنها تمنعُ وليَّ المقتول عن قتل الجاني.

وفي إيثار نفي العقل على نفي العلم نوعُ تأييدٍ لِمَا قدَّمناه، يعني: أن المحتاج في إداركه عند التلاوة إنما هو العقلُ الجِبِلِّيُّ لا الإدراكُ المكتسَبُ، ولا دلالةَ فيه على أنَّ قُبح هذه الأشياءِ عقليٌّ، بل دلالةٌ على أنه شرعيٌّ، حيث رتَّب التوبيخَ على ما صدر عنهم بعد تلاوة الكتاب.

والفاءُ للعطف، كان الأصل تقديمَها، لكنَّ الهمزة لها صدرُ الكلام فتقدَّمت على الفاء، وحكم الواو و (ثمَّ) في نحو: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الروم: ٩] و ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥١] حكمُ الفاء.