﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ لمَّا كان قول الملائكة مع عصمتهم ظاهرَ الاعتراض، تأوَّله العلماء على وجوهٍ أحسنُها عندي: أنهم كانوا حين الخطاب لهم مجمَلين، وإبليسُ مندرجٌ في جملتهم، فورد منهم الجوابُ مجمَلًا، فلمَّا انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه واستكباره انفصَل الجواب إلى نوعين: فنوعُ الاعتراض كان عن إبليس، ونوعُ التقديس والتسبيح كان من الملائكة، فانقسم الجواب إلى قِسمَين كانقسام الجنس إليهما، وناسَبَ كلُّ جوابٍ لمن ظَهر عنه.
وكان (١) الظاهر المطابق للخطاب السابق أن يقولوا: أتجعلُ فيها خليفةً مَن يُفسد؟ وإنما عدَلوا عنه إلى ما ذُكر صرفًا للتعجُّب إلى جعلِ المفسِد وخلْقهِ في الأرض مع قطع النظر عن معنى الخلافة، يعني: إن وجودهم فيها محلُّ استبعادٍ فأنَّى كونُهم خليفة.
وَيحتمِل أن يكون القصد تجريدَ التعجب عن شَوْب التعصب، فإن في ذكرهم بوَصْفِ الخلافة تعرُّضًا لِمَا هو مطمحُ نظرهم.
وأمَّا قصدُ الاستكشاف عمَّا خَفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسدَ، والاستخبارِ عمَّا يرشدهم ويزيحُ شبهتهم كسؤالِ المتعلِّم معلِّمَه (٢)، فيأباه ما في توصيفهم أنفسَهم بالتسبيح والتقديس من التَّعريض، وما في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من عدمِ البيان لِمَا اشتَبهَ عليهم لا يناسبه.
﴿مَنْ يُفْسِدُ﴾ أحد مفعولي (تَجعلُ)، والثاني ﴿فِيهَا﴾ وإنما قدَّم للاهتمام، وفي تكرير ﴿فِيهَا﴾ تنبيهٌ على أنَّ ما كان محلًّا للعبادة لا يناسب أن يكون محلًّا للفساد.
(١) في النسخ عدا "م": (كان) دون الواو، والمثبت من "م". (٢) في هامش "د" و"م": (عبارة القاضي: عن معلمه، ولا وجه لها؛ لأن سأل يتعدى إلى أول المفعولين بالذات وإلى ثانيهما بعن. منه).