﴿فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ كانا في الأصل مبتدأً وخبرًا انتَصَبا بمفعولي ﴿جَاعِلٌ﴾ من (جَعَل) المتعدِّي إلى مفعولين بمعنى (صيَّر)، والمعنى: إني جاعلٌ في الأرض خليفةً مني؛ أي: مَن يخلُفني ويقومُ بأمري في الأرض.
وقيل: منكم؛ أي: مَن يخلُفكم ويسكنُ مكانَكم؛ لأنهم كانوا قبل آدم سكانَ الأرض، فخلَفهم منها آدمُ وذرَّيتُه، واستُغنيَ بذكر آدم عن ذكر ذريته كما يُستغنَى بذكر أبي القبيلة عنها في قولك: مُضَرُ وهاشمٌ.
أو أُريدَ به الجنس؛ أي: مَن يخلُفكم.
وإنما أخبرهم بذلك ليَعرفوا بسؤالهم وجوابه حكمةَ الله تعالى في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ إذ الملائكةُ تطَّلع على تفاصيل وجوده وخواصِّ قُواه؛ من الإفسادِ في الأرض وسفكِ الدماء المختصَّين بالقُوى الشَّهْوانية والغَضَبية، ولا تطَّلع على خواصِّ الهيئة الاجتماعية، وعلى خواصِّ ما فوق أطوارهم من المعارف والأسرار الإلهية، أو قاسُوا الإنسَ على الجنِّ حيث أُسكنوا الأرض قبل الملائكة فأفسدوا فيها، ولذلك استبعَدوه وتعجَّبوا منه.
وليس فيه تعليمُ المشاوَرة؛ لأنَّه ليس بطريقِ المشورة؛ قال الراغب: ليس قولُه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ على [سبيل] الاستشارة، فإنَّ (١) الاستشارةَ استمدادٌ في العلم من المستشار، واللهُ منزَّهٌ عن ذلك، وإنَّما هو إعلامٌ كإعلامه إيانا كثيرًا من الكائنات لمصلحةٍ مّا (٢). ولا البشارةُ بوجود المجعول؛ لأنها إنما تكون بالخبر السارِّ، والقيدُ المذكور مقصودُ (٣) هاهنا على ما يُفصح عنه قولُهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ … إلخ.
(١) في "م" و"ك" (لأن). (٢) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ١٤٠)، وما بين معكوفتين منه. (٣) في "د": لعلها (معقود) أو (مفقود).