و (مثلًا) نصب على الحال، كقوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [هود: ٦٤]، أو على التمييز كما في قولك لمن أجاب بجواب ضعيف: ما أردتَ بهذا جوابًا؟
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ بيانٌ للجملتين المصدَّرتين بـ (أمَّا)، وتقريرٌ لأنَّ العلم بكونه حقًّا من بابِ الهدى الذي ازداد به المؤمنون نورًا إلى نورهم، والجهلَ به واستنكارَه من باب الضلال والفسق الذي ازداد به الجهلةُ ظلمةً إلى ظلمتهم، وفيه تسجيلٌ على الفريقين بهداية المحقِّقين (١) ورشدِهم وضلالةِ المنكِرين وفسقِهم، وكونِ كلٍّ منهما موصوفًا بالكثرة في أنفسهم لا بالقياس إلى الآخر، أو الضالين بالعدد والمهديِّين بالقَدْر والحقيقة؛ كما قال:
إنَّ الكرامَ كثيرٌ في البلاد وإنْ … قَلُّو كما غيرُهم قَلٌّ وإنْ كَثُروا (٢)
فإنَّ المهديِّين أقلُّ من الضالين بالعدد، ولهذا قدم ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾.
وأمَّا احتمالُ كونه جوابًا لما في (ماذا)؛ أي: المراد إضلالُ كثيرٍ وهدايةُ كثيرٍ، أو: أراد إضلالَ كثيرٍ وهدايةَ كثيرٍ، فيأباه قوله:(مثلًا) فإن التمثيل لا يناسب أن يراد به الإضلال، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿الحشر: ٢١].
﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ الفسق لغةً: هو الخروج عن القصد؛ قال رؤبةُ:
فَوَاسِقًا عن قَصْدِها جَوَائِرا (٣)
(١) في "د" و"ك" و"م": (المحقين). (٢) انظر: "الكشاف" (١/ ١١٨). (٣) وقبله: يَهوِين في نجد وغورًا غائرا