تعالى:(تمامًا على الذي أحسنُ) بالرفع (١)، أو موصوفةٌ كذلك؛ أي: صفتُها جملةٌ محذوفةُ المبتدأ، ولـ (ما) الوجوهُ الأربعةُ المذكورةُ في (بعوضةً) بالنصب، ووجهٌ آخرُ أعربُ وأفصحُ، وهو أن تكون (ما) استفهاميةً مبتدأً خبرُه (بعوضةٌ)؛ أي: ما البعوضةُ فما فوقها؟ كما يقال: فلان لا يبالي ما دينارٌ وديناران؟
والبعوضُ من البَعْضِ؛ كالقَطوع والخَموش من القَطْع والخَمْش، ومعنى البَعْض: القَطْع كالبَضْع والعَضْب، ومنه: بعضُ الشيء؛ لأنَّه قطعةٌ منه، وهو في الأصل صفةٌ غلبت على هذا النوع.
﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ عطفٌ على (بعوضة)، أو على (ما) إنْ جُعل اسمًا.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (أمَّا) حرف التفصيل، وفيه معنى الشرطِ، ولذلك يجاب بالفاء، يفيد الكلامَ توكيدًا؛ تقول: زيد ذاهب، فإذا أكَّدتَ قلتَ: أمَّا زيدٌ فذاهبٌ.
وما بعدَ (أمَّا) جملةٌ جزائية حقُّها أن تصدَّر بالفاء لولا دخولُ (أمَّا) عليها، فأخِّر إلى الخبر لوجودها، وجُعل المبتدأ سادًّا مسدَّ الشرط المحذوف لفظًا.
ومعنى التفصيل في (أمَّا) وتصديرِ الجملتين بها: أن بين الفريقين غايةَ البُعد والتضادِّ في فضل الفريق الأول وتحقيقِهم في علمِهم وإصابةِ نظرهم وهدايتهم وسدادهم، ونقصِ الفريق الثاني وتعمُّقِهم في جهلهم وإزاغة بصرهم وغوايتهم وزيغهم، أو عنادِهم ومكابرتهم؛ لأنهم بين أن لا يتفطَّنوا لوجهِ التمثيل وحسنه وحقيقته، وبين أن يُعانِدوا ويكابروا كِلَا الأمرين، وفيه بُعْدٌ عن مقتضى الفطرةِ،