ويجوز أن يكون وقوعه على سبيل المقابلة وتطبيقِ الجواب والسؤال، فإنه لمَّا جاء في كلام الكفَرة: أمَا يَستحيي ربُّ محمدٍ أن يضرب المثَل بالذباب والعنكبوت، قابلَه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ﴾ وهو في كلامهم نوعٌ بديعٌ وفنٌّ عجيبٌ يستحبُّونه ويَرتضونه لمراعاةِ المشاكَلة.
وضربُ المثل: صُنْعُه واعتمالُه، من ضَرْبِ اللَّبِن وضربِ الخاتم، وأصله: وَقْعُ شيء على آخَرَ، والاستحياءُ يتعدَّى بنفسه وبـ (مِن)، فعَلى الأول يكون ﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾ منصوبَ المحلِّ على المفعولية، وعلى الثاني يكون مجرورَ المحل بتقدير:(مِن)، أو منصوبًا (١) بنزع الخافض حذفًا (٢)، وتعديَةُ الفعل إليه بنفسه.
و (مثَلًا) مفعولٌ لـ (يضربَ)، و (ما) إبهاميةٌ منصوبةُ المحلِّ صفةُ ﴿مَثَلًا﴾ تزيدُه شياعًا وعمومًا وإبهامًا وسدًّا لباب التقييد، أو مزيدةٌ للتأكيد كما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. أي: مَثَلًا حقًّا.
و (بعوضةً) منصوبٌ بدلٌ أو مفعولٌ به، وقيل: عطف بيان لـ (مثلًا)، وفيه: أنه لا يكونُ في النكرات عند الجمهور.
و (مثلًا) حالٌ متقدِّمةٌ عليها لتنكيرِها، أو مفعولٌ ثانٍ لـ (يضربَ) إجراءً لـ (ضَرَب) مُجرى جَعَل وصَيَّر.
وإنْ رفعتَ (بعوضةٌ)(٣) فـ (ما) موصولةٌ حُذف صدرُ صِلَتها؛ كما في قوله
(١) في النسخ: (منصوب)، والمثبت هو الجادة. (٢) في هامش "د" و"م": (أي: حُذف نسيًا منسيًا لا مقدرًا كالملفوظ. منه). وزاد في "م" قبل (كالملفوظ): (لأنَّه) أو: (بأنه). (٣) وبها قرأ جماعة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٤)، و"المحتسب" لابن جني (١/ ٦٤).