للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقد جاء في الإنجيل تمثيلُ غلِّ الصدر بالنخالة، ومعارضةِ السفهاء بإثارة الزنابير، وفي كلام العرب: أصرد (١) من جرادٍ، وأسمعُ من قُرادٍ.

وَيحتمِل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ العنكبوتَ والذُّباب، وما ورد في المثَل مما هو أعظمُ من البعوضة، ردٌّ لِمَا استنكروه؛ كما قيل: فلانٌ بخيلٌ بدرهم، فتقول: إنه بخيل بدانق فما فوقه؛ أي: فضلًا عما فوقه في العِظَم من الدرهم.

والحياء: انقباضُ النفس بمخافةِ الذَّمِّ، وهي الوسطُ بين الوقاحةِ التي هي الجرأةُ على القبائح وعدمُ المبالاةِ بها، والخجالةِ التي هي انحصار النفس عن الفعل مطلقًا.

واستعمالُ الاستحياء لله تعالى مجازٌ على سبيل التمثيل؛ أي: لا يَترك ضربَ المثل بالمحقَّرات تَرْكَ مَن يَستحْيِي بحقارتها، وقد جاء في الحديث: "إنَّ الله ليستحيي (٢) من ذي الشَّيبةِ المسلمِ أن يعذِّبه" (٣).

وفي التمثيلِ من المبالغةِ ما لا يَخْفَى على الفَطِن؛ للتَّخييل، وتصويرِ المعقول بصورة المحسوس أو الوجدانيِّ (٤) المدرَك بالضرورة.


(١) في النسخ: (أجرد)، وفي هامش "م": (لعله: أبصر). والصواب المثبت، يقال: صَرِدَ الرجل يَصْرَد صَرَدًا فهو صَرِدٌ ومصْراد: للذي يجد البرد سريعًا، وذلك أن الجرادة لا تُرى في الشتاء أبدًا لقلة صبرها على البرد. انظر: "الكشاف" (١/ ١١٢)، و"فتوح الغيب" (٢/ ٣٧٧).
(٢) في "م": (يستحيي).
(٣) أخرجه البيهقي في "الزهد" من حديث أنس بنحوه، وابن أبي الدنيا في كتاب "العمر" من حديث سلمان بنحوه. انظر: "نواهد الأبكار" (٢/ ١٤٣). وروى ابن أبي عاصم في "السنة" (٢٣)، والطبراني في "الأوسط" (٥٢٨٦)، عن أنس بن مالك مرفوعًا: "إن الله ﷿ ليستحيي من ذي الشيبة المسلم إذا كان مسدَّدًا لَزومًا للسنَة أن يسأل الله فلا يعطيه". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٤٩): وفيه صالح بن راشد وثقه ابن حبان وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات.
(٤) في النسخ عدا "د": (أو القصد إلى)، والمثبت من "د".