فأجابهم بما دلَّ على أن التمثيل أمرٌ يستدعيه حالُ الممثَّل له، فكلَّما كان أعظمَ كان الممثَّلُ به أعظمَ، وكلَّما كان أحقرَ كان الممثَّلُ به أحقرَ؛ كقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] فيَلزم أن يكون لآلهتهم المثلُ الأدنى؛ لأنها جماداتٌ لا قوةَ لها ولا شعور؛ إذ الغرضُ من التمثيل تصويرُ المعقول بصورةِ المحسوس، وتقريرُ المعنى المرادِ في النفس، ولا يعارض العقلَ في المعاني المعقولةِ إلا الوهمُ؛ لميله إلى الحسِّ وامتناعِ إدراكه المعانيَ الكليَّةَ، فإذا تمثَّل المعنى العقليُّ (١) بصورةٍ محسوسةٍ أَذعن له وانقاد، وقَبِل المعنى المراد، ولهذا كثُر التمثيل في كلام البلغاء والحكماء والأنبياء، وفشا في الكتب الإلهية.
ولا يتعلَّق حالُ المثَل في الحُسْن والقبح بحالِ الممثِّلِ إلا فيما يُصار إليه من وجه الشَّبَه (٢) بين الممثَّل به والممثَّل له، فإنْ لم يكن مطابقًا بأنْ لا يكون الوصف المشترَك المقصودُ إظهارُه في الممثَّل به أجلى وأقوى وأشهرَ كان الممثِّل قاصرًا في البلاغة، منسوبًا إلى الدناءة.
وإن كان مطابقًا بأنْ كان المعنى المرادُ إفهامُه في الممثَّل به أبلغَ وأتمَّ، وأكملَ وأعمَّ، كان الممثِّل أجلَّ قَدْرًا وأعلى شأنًا.
ولهذا كان تمثيلُ الله تعالى آلهتَهم بالبعوضة فما فوقها في المعنى الممثَّل له من الحقارة؛ أي (٣): ما هو أحقرُ منها كجناحها ومخِّها - وكما قيل: أقلُّ من لا شيء - في غايةِ الحُسن والجزالة، ونهايةِ الفصاحة والبلاغة؛ كما تقول: فلانٌ أقلُّ قَدْرًا من الكلب، فيقول صاحبك: وفوق ذلك؛ أي: في قلَّة القَدْر.
(١) في "ح" و"ك": (للعقل)، وفي "ف": (العقل). (٢) في "د": (التشبيه)، وسقطت من (م). (٣) في النسخ عدا "د": (إلى)، والمثبت من "د".