للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ولم يُجمَع (رعدٌ وبرقٌ)، وإنْ كان الجمعُ أشدَّ مناسبةً لقوله تعالى: (ظلماتٌ) وأكثرَ مبالغةً كما في قول البُحتريِّ:

يا عارِضًا مُتَلفِّعًا بِبُرودِه … يَختالُ بيْنَ بُرُوقهِ ورُعودِهِ (١)

لكونِهما في الأصل مصدَرينِ، فإنْ أُريد العينانِ رُوعِي الأصلُ فلمْ يُجمَعا، وإنْ أُريد الحدَثانِ؛ أي: الإبراقُ والإرعادُ فحقُّهما الإفراد، وأيضًا قُصِدَ التَّهويلُ المناسب للمقامِ بغرابةِ (٢) نوعهما المستفاد من التنْكير، لا بتَعدُّدِ أفرادهما المسْتَفادِ مِن صيغةِ الجمْعِ.

﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم﴾ جملةٌ استِئْنافيّةٌ، وذلك أنَّه لمَّا ذَكَر الظلماتِ والرَّعدَ والبَرْق على ما يُؤذِنُ بالهول والشدَّةِ، فكأنَّ قائلًا قال (٣): فكيفَ حالُهم مع ذلك الرعدِ؟ فقال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم﴾، ثمَّ قال: فكيفَ حالُهم مِن ذلك البرقِ؟ فقيل: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، ثم قال: فكيفَ حالُهم مع تلك الظلماتِ؟ فقيل: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾.

أو صفةٌ للمضاف المحذوفِ في محلِّ الجرِّ؛ أي: ذوِي صيِّبٍ يجعلونَ، وصحَّ رجوعُ الضَّمير إلى ذلك المضافِ لكونهِ في الحكم المذكورِ.

وفي ذِكر الأصابعِ من المبالغة ما ليسَ في ذِكر الأناملِ، ومبناها على أنْ تكونَ الأصابعُ بمعناها لا بمعنى الأناملِ، وفي العُدول عنْ: (يُدخلون) - وهو الظاهرُ - إلى المذكور نوعُ تقويَةٍ لتلك المبالغةِ.


(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٨٣). العارض: السحاب. يقال: تلفعت، أي: تلحَّفْتُ كما تلحَّفَتِ المرأة بمرطها، والاختيال: التبختر. انظر: "فتوح الغيب" (٢/ ٢٦٩).
(٢) في "ف": (بقرينة).
(٣) في "م": (بالهول فقال: يجعلون أصابعهم في آذانهم ثم قال).