للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

يا رسول اللّه، أنا في الدُّنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ فأنزل اللّه تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] (١).

فلا دلالةَ فيما ذكر على أنَّ مَنْ أوتي كتابَه بشماله لا يقدر على القراءة لعدم بصرِه، وقد مرَّ في تفسير قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ ما يقلع عِرْق الشُّبهة.

وقد جُوِّزَ أن يكون الثَّاني بمعنى التَّفضيل، ويعضد ذلك ظاهر ما عطف عليه من قوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾، ومنْ ثمَّة قرأ أبو عمرو الأوَّل ممالًا والثَّاني مفخَّمًا (٢)، لا لأنَّ أفعل التَّفضيل تمامه بـ (مِن)، فكانت ألفُه في حكم الواقعة في وسط الكلام، وأمَّا الأوَّل فلم يتعلَّق به شيء، فكانت ألفه واقعةً في الطَّرف متعرِّضة (٣) للإمالة (٤)؛ لأَنَّه منقوض بالإمالة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ [البقرة: ٦١]، بل لأنَّه أراد أبو عمرو أنْ يفرِّق بينهما لَمَّا اختلف معناهما، واجتمعا في آيةٍ واحدةٍ، وإنَّما أمال الأوَّل دون الثَّاني لِمَا ذُكِرَ؛ فإنَّه يصلح للإحجاز (٥) وإن لم يصلح للغلبة.

﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ منه؛ لبطلان الاستعداد وفقدان الآلة والمهلة.

* * *


(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٧)، وأورده البيضاوي في تفسير سورة الحج مقدما له بـ (قيل)، وهي صيغة التمريض عنده، وقال الشهاب: لعل تمريضه لعدم ثبوته عنده لأنّ ابن أم مكتوم لا يخفى عليه مثله. انظر: "حاشية الشهاب" (٦/ ٣٠٣).
(٢) انظر: "التيسير" (ص: ١٤٠).
(٣) في (ف) و (م): "معترضة"، وفي "الكشاف": "معرضة".
(٤) انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٨٣)، وهنا آخر كلامه، وما بعده تعقب من المؤلف عليه.
(٥) "للإحجاز" كذا في النسخ، وجاء في هامش (م): "لعله: للإحجاج".