ثم أبى أبو حاتم أن يكون ابن عبَّاسٍ قال ذلك، وقال: لو قلنا هذا لطعن الزَّنادقة في مصحفنا، وأمَّا التَّعليل الذي نسبوه إليه فهو منافٍ لِمَا نُقِلَ عنه مِن أنَّه ليسَ قضاءَ حكمٍ بل هو قضاءُ أمرٍ (١).
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾: وبأن تحسنوا بالوالدين ﴿إِحْسَانًا﴾ ويجوز أن تتعلَّق الباء بالإحسان، وقد مرَّ في تفسير سورة (٢) الأنعام تحقيقُ وجهِ جواز تقدُّم صلة المصدر.
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ ﴿إِمَّا﴾ هي (إنْ) الشَّرطيَّة زيدت عليها (ما) تأكيدًا لها، ولذلك صحَّ دخول النُّون المؤكِّدة في الفعل، و ﴿أَحَدُهُمَا﴾ فاعل ﴿يَبْلُغَنَّ﴾، وبدلٌ من الألف الراجع إلى الوالدين على قراءة:(يَبْلُغَانِّ)(٣)، و ﴿كِلَاهُمَا﴾ عطف على ﴿أَحَدُهُمَا﴾ على الاحتمالَين، ولا احتمال لأن يكون تأكيدًا لضمير (يبلغان)، لا لكونه معطوفًا على البدل؛ لأنَّه لا يقتضي أن يكون بدلًا فإن عطف التأكيد على البدل شائع، بل لأنَّ فيه دلالة على أنَّ التَّأكيد غير مراد في المقام؛ لأنَّ فائدة تأكيد التَّثنية الشُّمول والإحاطة، ولو قصدت تلك الفائدة لَمَا قيل: ﴿أَحَدُهُمَا﴾، فالمانع ذكره لا عطفه على البدل.
وإنَّما قيَّد بقوله: ﴿عِنْدَكَ﴾ لأنَّ مراعاة الأدب مع طول المصاحبة أشقُّ، فكانت مظنَّة التَّقصير، فتدُورك به.
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٥٠)، وانظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٢٠)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٦). و"تفسير ابن أبي حاتم" (٧/ ٢٣٢٣)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٤٤٧). وجاء في هامش (ف): "وحكي عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأها: (ووصى ربك)، قال: إنهم ألصقوه بالصاد، فصار قافًا. من تفسير البغوي. منه". (٢) في (ك): "مر تفسيره في سورة". (٣) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٣٩).