وما لم يشأ يمتنع. ومنعًا للبعثة، وإنكارًا للتَّكليف؛ لعدم الفائدة فيهما (١) حينئذٍ، وإنكارًا (٢) لقبيح ما أنكِر عليهم من الشِّرك والتَّحريم ونحوهما، متمسِّكين بأنَّها لو كانت مستقبَحة لَمَا شاءَ اللهُ صدورَها عنهم، ولشاء خلافه ملجِئًا إليه، لا اعتذارًا؛ إذ لم يعتقدوا قبحَ أعمالهم.
﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الفعلِ الشَّنيع من الاستهزاء بالرُّسل، وإنكارِ البِعْثة والتَّكليف، والجدال بالباطل فعلَ أسلافُهم ولَمَّا فُهِمَ منه أنْ إنذار الرُّسل وإرشادهم لم يُجْدِ نفعًا في حقِّ الضَّالين المعاندين اتَّجه السُّؤال بأنْ يُقالَ: فما بالُ المرسلين حيثُ لم يتمُّوا مصلحةَ الإرشاد؛ أجابَ عنه بما حُذِفَ وأُقِيمَ تعليلُه مقامَه - لاستلزام (٣) العلَّةَ للمعلولِ - قوله (٤):
﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: لا بأس فيه فهل عليهم إلَّا الإبلاغ الموضِّح للحقِّ؛ أي: ليس لهم عليهم الهداية، ولكنَّ اللهَ سبَّبَ الأسباب بحكمته، وجعلَ تبليغَ الرُّسل من أسباب الهداية لمن شاء هدايته، فليس عليهم (٥) إلَّا ما كلَّفهم من التَّبليغ والإبانة؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].
ثمَّ بيَّن أنَّ بعثةَ الرُّسل والدَّعوةَ إلى الحقِّ والتَّكليف أمرٌ جرَتْ به السُّنَّة الإلهيَّة
(١) في (ف): "فيها". (٢) في (م): "أو إنكار". (٣) في (م): "لاستلزامه". (٤) "قوله" من (م). (٥) في (ك): "عليهم له"، وفي (م): "عليهم له ﵇".