﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ لمَّا استعبراه أراد أن يجعل ذلك ذريعةً إلى دعوتهما إلى التوحيد، فقدَّم لذلك مقدِّمةً باعثةً إياهما على القبول، وهي الإخبار عن المغيَّبات، كما هو طريقةُ الأنبياء ﵈ في انتهاض الفرصة في الدعوة إلى الحق تعالى، فقال: لا يأتيكما من عند أهلكما أو أصدقائكما أو من غيرهم ما تحتاجان إليه من الطعام في السجن ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾؛ أي: بيان ماهيته وكيفيته ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾.
فجعل ينبِّئهما كلَّ يوم بما يُحمل إليهما من الطعام قبل أن يأتيَهما، ويقول: اليوم يأتيكما كذا وكذا من الطعام من صفةِ كيتَ وكيتَ، فيكون كما أَخبر.
ويجوز أن يكون الضمير في ﴿نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ راجعًا إلى ما استَعْبَراه عنه؛ أي: سأنبئكما بتأويل ما قصَصْتُما عليَّ قبل أن يأتيكما وظيفةُ الطعام الذي تُرزقانه.
فكأنهما قالا له ﵇: كيف تعلم ذلك فهو غيب؟ فقال: ﴿ذَلِكمُا﴾ إشارة إلى التأويل أي: ذلك التأويل والإخبار بالمغيَّبات ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بالإلهام والوحي.
﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ تعليلٌ لِمَا قبله، وتشويقٌ لهما إلى الإيمان؛ أي: لأني تركتُ ملة قوم أنتما على دينهم وهم أهلُ مصر وكانوا مشركين، وليس هو تركًا بعد الكون فيها بل هو الامتناعُ عنها أصلًا.
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ لمَّا أراد أن يحبِّب إليهما الإيمان، وبكرِّهَ إليهما الكفر والفسق، فقال: هذه الكرامة لأني امتنعت عن ملة قومٍ ليسوا من الإيمان باللّه