والمعنى: أنه ﵇ دخل السجن واتَّفق أن دخل حينئذ آخران من عبيد الملك: شَرَابيَّه وخبَّازه؛ للاتهام بأنهما قصَدا أن يَسُمَّاه.
﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ وهو الشرابيُّ: ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾؛ أي: أرى في المنام، وهي حكايةُ حالٍ ماضيةٍ استحضارًا للصورة عند السامع؛ إظهارًا للاهتمام بتأويلها.
﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وفي قراءة ابن مسعود:(عنبًا)(١)، وإطلاق الخمر على العنب مجازٌ من باب تسمية الشيء بما يَؤُول إليه، ونكتة المجاز بيانُ أنَّ عصره كان (٢) للتخمير لا لأمرٍ آخر على وجه الإيجاز.
﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾ وهو الخباز: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ﴾: تنهشُ ﴿مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ شبَّه الإخبار بما (٣) سيقع من الأمور المغيَّبة بتفسير المشكل والإفصاح عن معناه لإبهامه، فسماه التأويلَ، والضمير لِمَا قصَّا عليه جاريًا مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك.
﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: الذين يُحْسنون تأويلَ الرؤيا، قالا ذلك لأنهما رأياه يعبر رؤيا بعض أهل السجن، أو: من المحسنين إلى أهل السجن فأَحْسِنْ إلينا بتأويل ما رأينا إنْ كنت تعرفه.
* * *
(١) انظر: "المحتسب" (١/ ٣٤٣)، و"البحر" (١٢/ ٤٧٦)، عن ابن مسعود وأبيٍّ. قال أبو حيان: وينبغي أن يحمل ذلك على التفسير؛ لمخالفته لسواد المصحف، والثابت عنهما بالتواتر قراءتُهما: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. (٢) "كان" من (م). (٣) في (ف) و (ك): "شبه لما".