﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ الإخبارُ عن المراودة المذكورة مؤكَّدًا بـ (قد) واللام يدلُّ على أنه لم يُخبر عنها قبل هذا، فما قيل في تفسير ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾: إنما سماه مكرًا لأنها استكتَمَتْهنَّ سرَّها فأفشَيْنَه عليها، ليس بذاك.
﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾: فامتنع طالبًا للعصمة، أَقرَّت لهن حين عرفتْ أنهن عذَرْنها كي يعاوِنَّها على إلانةِ عريكته.
الاستعصام؛ بناءُ مبالغةٍ يدلُّ على الامتناع البليغ والتحفُّظ الشديد، كأنه في عصمته وهو يجتهد في الاستزادة منها، ونحوُه: استَجْمَع الرأيُ واستَفْحَل (١) الخطبَ.
وهذا بيانٌ لِمَا كان من يوسف ﵇ لا مزيدَ عليه، وبرهانٌ لا شيء أنورُ منه، على غاية عصمته ونهايةِ طهارته.
وفي الفاء التعقيبية دلالةٌ على أنه (٢) ما صدر عن يوسفَ ﵇ بين المراودة والاستعصام فعلٌ يفصله عنها، فمِن هنا تَبيَّن أن الواقع من جانبه ﵇ مجردُ همٍّ غيرِ اختياريٍّ، فما زيدَ على ذلك وذكر في كتب التفاسير والقصص مردودٌ بنصِّ الكتاب، فافهم، واللّه الهادي إلى الصواب.
﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾؛ أي: ما آمر به، فحُذف الجار (٣) كما في قولك: أمرتكَ الخيرَ، أوة أمري إياه، ومعناه: موجَبُ أمري ومقتضاه، فيكون الضمير له ﵇.
(١) في (م): "واستعجل"، والمثبت موافق لما في "الكشاف" (٢/ ٤٦٧). (٢) في (ك) و (م): "أن"، والمثبت من (ف) وهو الصواب. (٣) "فحذف الجار" من (م).