قيلَ: كانوا يفهمُونه ولكنَّهم لم يقبلُوه فكأنهم لم يفقَهوهُ، فلا يذهَبْ عليك أن هذا التنزيلَ إنما يناسِبُ اعتباره أن لو كان في الحكايةِ دون المحكيِّ.
﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ لا قوةَ لك ولا عزَّةَ فيما بيننا، وفي قولهِ: ﴿فِينَا﴾ نوعُ تقويةٍ لما أرادوه من إثباتِ العجزِ له عن المدافعةِ، كأنهم يقولونَ: إنك لستَ بخارجٍ عنا حتى لا تَصِلَ إليك أيدينا، ولا قوةَ في نفسكَ، فلا مانِعَ ولا دافِعَ لا من جهةِ شأنكَ، ولا من جهةِ مكانِكَ، ولذلك قلَّلوا قومَه حيثُ جعلوهم رهطاً، والرهط من الثلاثةِ إلى العشرةِ، وقيل: إلى السبعةِ.
وإنما قالوا: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ احتراماً لهم لكونهم على ملَّتِهم، لا خوفاً منهم، ولدفع (١) هذا الوهم عبروا عنه بالرهطِ دون العشيرةِ والقبيلَةِ ونحو ذلكَ.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾؛ أي: لستَ علينا بممتنِعٍ فلا نقدِرَ على رجمِك، وهذا هو المناسبُ لسياق الكلامِ، وعلى هذا لا مفهومَ فيهِ، ومن فهِمَ منه المفهوم قائلاً:(كأنهُ قيلَ: وما أنت علينا بعزيز بل رهطُكَ هم الأعزةُ علينا)، فقد حمَلَ العزة على الكرامةِ على ما صرَّحَ بهِ حيث قالَ:(أي: لا تعزُّ علينا ولا تكرَمُ حتى نكرِمَك عن الرجمِ)، فقد غفِلَ عن أن المناسِبَ حينئذٍ أن يقولوا: عندَنا، بدلَ: ﴿عَلَيْنَا﴾.
ومنطوقُ قولهم: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ أغنى عن اعتبارِ المفهومِ المذكورِ، لِمَا عرفت أن معناها: ولولا حرمَةُ رهطِكَ وعزتُهم عندنا لرجمناكَ، فاعتبارُه بعد هذا كالاستضاءَةِ بالمصباح بعدَ طلوعِ الصباحِ.