﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾؛ أي: إلا هو مالكُها ومصرِّفُها على مُقتضَى مشيئتِه، وهي في قبضتِه ومِلْكته (١) وتحتَ قهره وسلطنتِه، والأخذُ بالنواصي تمثيلٌ لذلك، حتى صار الأخذُ بالناصية عُرفاً في القدرة على التصرفِ، وكانت العرب تجزُّ ناصيةَ الأسير الممنونِ عليه علامةَ أنه قد قُدِرَ عليه، وقُبضَ على (٢) ناصيَته.
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ على طريق الحقِّ والعدلِ في ربوبيته، لا يسلِّطُ على مَن توكل عليهِ ظالماً، ولا يَضيعُ عندَه معتصِمٌ بهِ، ولا يَغلبُ أحدٌ أحداً إلا بإذنه.
وفي قولِه: ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ من غيرِ إعادة (ربكم) - كما في الأول - نكتةٌ سَرِيةٌ بعد الاختصارِ المُغْني عن الحشوِ فيه، ما يدلُّ على زيادة اختصاصهِ به (٣)، وأنَّه ربُّ الكلِّ استحقاقاً، وربُّه دونَهم تشريفاً.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: فإن تتولَّوا، وجوابُ الشرطِ ماضٍ صريحٌ، فلذلكَ جاءَ بالفاءِ و (قد).
﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: فإن تُعرِضوا والحجةُ عليكُم لم أعاتَب، فإني ما فرَّطتُ في الإبلاغِ، وأداءِ ما أُرسِلت به إليكُم، وأنتم ما أردتُم إلا تكذيبَ الرسالةِ، ومكافأةَ الرسولِ بالعداوةِ.
(١) في (ك) و (م): "وملكيته". (٢) "على" من (ك). (٣) "به" من (م).