على مجرى العادةِ، وبالغ في ذلكَ أن قالَ: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾، وخالف بين إشهادِ الله وإشهادِهم بأن بتَّ في الأولِ، وأكَّدَ إخباره تثبيتاً (١) للتوحيدِ، وإحكاماً لمعاقدِه، وعدلَ عن الخبر إلى الأمرِ في الثاني قلَّةَ مبالاةٍ بهم وبدينِهم وآلهتهم، واستهانةً بما زعموا واعتقدوا من عقوبتِهم؛ ثقة باللهِ، وقوةَ اعتمادٍ عليهِ وصحةَ توكُّلٍ، وزاد على ذلك أن أمرَهم بالاجتماعِ على الكيد في إهلاكِه والاجتهاد (٢) فيهِ، وعدم الإنظار والتوقُّف بقولِه:
﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ كقول نوحٍ ﵇: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وذلك من أعظمِ المعجزاتِ، فإنه كان رجلاً واحداً بين الجمِّ الغفيرِ، والعدوِّ الوتير (٣) من الأقوياءِ الغلاظ الشدادِ، وخاطبهم بما يخاطِبُ، وحقَّرهم وآلهتَهم بما حقَّرَ، وشجعهم على نفسِه، فلم يقدروا على إضرِاره، ولم يَجسُروا على بطشه، وما ذاك إلا بعصمةِ الله تعالى إيَّاهُ وحُسنِ كلاءَته، ولذلك عقَّبه بقولِه:
﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ تقريراً له؛ أي: إنكم إن اجتمعتُم وتعاونتُم أنتم وآلهتكم عليَّ، وبذلتم وسعَكم في قصدي بالسوءِ، لم تضرُّوني، ولم تقدروا على إهلاكي، فإني توكَّلت على اللهِ مالكِي ومالكِكم، لم يمكِنكُم إصابتي بما لم يُرِدهُ، ثم برهَن على ذلكَ بقولِه:
(١) في (م): "تثبتا". (٢) في (ف) و (م): "والإحساد". (٣) في (ف): "الوقير".