للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

مفرغٌ، أي: ما نقولُ إلا قولَنا: اعتراك، هو من اعتراهُ؛ أي: قصدَ عُراه، وهو الفضاءُ والساحة، والمراد الإصابةُ بطريق الكناية.

﴿بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾: بجنونٍ، بسبِّك إياها وصدِّكَ عنها، ومن ذلك تهذي وتتكلم بالخرافاتِ، والقومُ كانوا جفاةً ثابتين (١).

﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (ما) مصدريةٌ أو موصولةٌ، وإشهاده تعالى كلامٌ جارٍ على أصله جيءَ ليؤكِّدَ به ما ذكرَه من البراءة عن شركِهم وشركائهم، وأما إشهاده إياهُم على البراءةِ فلا؛ إذ لا يقولُ أحدٌ لمن يعاديه: أشهِدُك أني منك بريءٌ، إلا وهو يريدُ عدم المبالاةِ والاستهانةَ بعداوته، وإذا كان كذلك لزِمَ التخالف بين الصيغتين (٢): خبرًا ثانيًا (٣) إبانةً، وطلبًا جازمًا استهانةً.

* * *

(٥٥) - ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾.

﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: أنتم تجعلونها شركاءَ، ولم يجعلها هو شركاءه، ولم ينزِّل بذلك سلطانًا.

لمَّا واجهوه بكلمتهم الحمقاء، وبَهَتوه بتخييلِ الآلهة، وسمَّوا التوحيدَ الذي دعاهم إليهِ والإرشادَ الذي نصحَهم به خبتاً وخبطاً، ولم يعتدُّوا ببيناتٍ، وخوَّفُوه من آلهتهم، وآيسوه من الإيمان بما جاء بهِ - أجابَهم بالبراءة عن آلهتهم، وقابلَهم بعدم المبالاة بهمِ وآلهَتِهم ثقةً باللهِ، وأكَّدَ البراءة ووثَّقها بشهادة اللهِ، وبشهادة العبادِ


(١) في (ك): "كانوا صائين". وعبارة "الكشاف" (٢/ ٤٠٣): (كانوا جفاة غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت، ولا يلتفتون إلى النصح، ولا تلين شكيمتهم للرشد).
(٢) في (ف): "الصفتين"، وفي (م): "الصنفين".
(٣) كذا في النسخ، ولعل الصواب: "ثابتًا".