﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنك أعلمُهم وأعدلُهم، فلا يشوبُ حكمَكَ ذلك دَخَلٌ (١) فترجعَ، وهذا ابني قد حُرِمَ عن الركوبِ في السفينةِ، وعرِّفني السبب فيه حتى أكونَ على علمٍ فيسكُنَ قلبي، ومبنى هذا على زعمِهِ (٢) أن ابنَهُ ليس بكافرٍ؛ لِمَا أنه كانَ يُنافِقُه على ما تقدَّمَ بيانُه.
وهذا النداءُ منهُ ﵇ وإن كانَ بعد مكالمتِه مع ابنِه، لكنَّ قولَه: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ … ﴾ إلخ لا يدلُّ على كفرِه؛ لجوازِ أن يكونَ قد ظن أن الصعودَ على الجبل الشامخِ يجري مجرى ركوبِ السفينةِ، وأنَّه يصونُه عن الغرَقِ، وبعد إخبارِ أبيهِ أنه لا عاصِمَ اليوم من أمرِ اللهِ حالَ الموجُ بينه وبين ابنه فلم يبقَ له مجالُ الركوبِ.
وإنما قلنا: إنه بعد المكالمةِ؛ لأنَّه لو كان قبلَه لمَا ساغَ له ﵇ أن يقولَ: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ إذ حينئذٍ يكون معلومًا له ﵇ أنه من الذينَ نهِيَ عن حملِهم في السفينةِ.
* * *
(١) في (ف) و (م): "حكمك ذلك ولا خلل". (٢) قوله: "على زعمه"، فيه نظر، فلا يليق إطلاق الزعم في حق الأنبياء، فإن فيه شبهة الذم، حيث لم يرد في القرآن إلا بهذا المعنى، حتى إن المؤلف نفسه قد جعله كالعلَم في الباطل عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الاْنعام: ٢٢]، وإن كان في غير القرآن قد يأتي بمعنى القول، لكنه ليس مبررا لإطلاقه في حق الأنبياء ﵈. وانظر كلامنا على هذه المسألة عند تفسير الآية المذكورة. ولو قال: حسب ظنه، أو نحوه لكان أولى. هذا إن كان هذا الظن موجودًا أصلا، فإن حال ابنه أو غيره لا يمكن أن يخفى عليه ﵇، وهو النبي المتصف بكمال الفطنة والمؤيد بالوحي، وخصوصًا مع طول المدة التي لبثها في قومه.