مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، ولا أن يقضِيَ ذلك الأمرَ العظيم الهائلَ سواهُ، ولا أن تستقِرَّ السفينة بعد اضطرابها إلا بأمرِه وتقديرِه، ولا أن يهلكَ الظلمةُ ذلك الهلاكَ الفظيعَ إلا بقهرِه وتدميرِه.
وقد جمعتِ الآية من فخامةِ المعنى، وجزالةِ اللفظِ، وحسنِ النظمِ، ورصافةِ التركيبِ، ووضوحِ الدلالةِ على كُنْهِ الحال، معَ الإيجاز الخالي من الإخلال (١)، ما تاهتِ الأفهامُ في مجازيه (٢)، واستقلَّتِ الألبابُ من كثرةِ النكاتِ ولطائفِ المعاني التي تحويه، بدائعُ الطباقِ والجناسِ التي فيه؛ لأنها وإن كانت تحسِّنُ ظاهرَ الكلام، وتزيِّنُ ديباجةَ النظام، لكنها بالنسبةِ إلى اللطائفِ المعنوية كالقشرِ من اللُّباب، وكالدُّرْدِيِّ من صَفْو الشرابِ.
﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ أُريدَ النداءُ في نفسهِ، ولا دلالةَ في عطفِ قوله:
﴿فَقَالَ﴾ على تقديرِ الإرادةِ، فإنهُ من قَبيلِ عطفِ المفصَّلِ على المجمَلِ، بل نقولُ: لا وجه لتقديرِها؛ لأن الإخبارَ عنها خِلْوٌ عن فائدةِ الخبرِ ولازِمها.
﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ الذي وعدتَني أنجاءَهم بالركوبِ في السفينةِ، هذا الوعدُ غيرُ مذكورٍ في القرآن صريحًا، بل يُفهَمُ من الأمرِ بحملِهم في السفينةِ.
﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾: وإن كلَّ وعدٌ تعِدُه لا يَتطرَّقُ إليه الخُلفُ.
(١) في (ف) و (م): "الضلال". (٢) في (ك) و (م): "مجاريه".