﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أي: لا يؤمنون بهما على وجهٍ يصحُّ ويُقبَلُ، على ما مَرَّ بيانُه في أوائل سورة البقرة، وإنما قال: ﴿قَاتِلُوا﴾ دون (اقتلوا) إشارة إلى اختصاص الجزية التي ينتهي عندها القتال بمن (١) تَحتمِل بِنيتُه الحرابَ، فلا جزية على المرأة والصَّبي والشَّيخ الفاني.
﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ لم يقل:(أو رسوله) لأنَّه ﵇ لم يحرِّم شيئًا إلا بالوحي على المذهب الصحيح، فليس المعنى: ما حرَّمَ اللهُ بالكتاب ورسولُه بالسُّنَّة؛ لِمَا في هذا التوزيع من إيهام استقلاله ﵇ في التَّحريم.
﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ الثَّابت، الذي هو ناسخٌ سائرَ الأديان ومبطلُها.
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بيانٌ لـ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وتأكيدٌ للحجَّة التي لا بُدَّ من تقديمها على القتال؛ لأنهم كانوا يجدونه ﵇ في التَّوراة والإنجيل، فلا دلالة فيه من جهة المفهوم على اختصاص قَبول الجزية بأهل الكتاب، كما لا دلالة فيه على اختصاص وجوب القتال بهم.
بيَّنَ في الآية السَّابقة قتالَ المشركين وبيَّنَ في هذه الآية (٢) قتال اليهود والنصارى، ولو قال: قاتِلوا أهل الكتاب، لكفى، وإنما أَطنب بذكر هذه الأوصاف الذَّميمة تحريضًا للمؤمنين على قتالهم؛ لأنها صفات توجب البراءة منهم والعداوة لهم (٣).
﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾؛ أي: إلى أن يَقبلوها، وهي عطيةُ عقوبةٍ جزاءً على الكفر،
(١) في (ك): "ممن". (٢) "الآية" من (م). (٣) في هامش (ف): "وجه التفريع هو أن مبنى المفهوم على أن لا يكون للقيد فائدة أخرى".