﴿فَمَا لَكُمْ﴾ الفاء للترتيب على ما فُهم مما تقدَّم من أنَّ ما نزل (١) في حقِّ المنافقين وبيانِ أحوالهم حقٌّ مطابقٌ للواقع.
﴿لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾؛ أي: فما لكم تفرَّقتُم في أمر المنافقين فرقتين ولم تتَّفقوا على كفرهم الذي نطق به المنزَل، وذلك أن ناسًا منهم استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة (٢)، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلةً مرحلةً حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم (٣). وقيل غيرُ ذلك.
و ﴿فِئَتَيْنِ﴾ نصبٌ على الحال من الضمير في (ما لكم) والعامل فيها ما في الظرف من معنى الاستقرار، كقولك: ما لك قائمًا.
و ﴿فِي الْمُنَافِقِينَ﴾ حال من ﴿فِئَتَيْنِ﴾؛ أي: متفرِّقين فيهم، أو من الضمير؛ أي: فما لكم تفترقون فيهم، ومعنى الافتراقِ مستفاد من ﴿فِئَتَيْنِ﴾.
﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾: ردَّهم في حُكم المشركين. أصل الرَّكْس: ردُّ الشيء مقلوبًا.
(١) في (ك): "أنزل". (٢) أي: معتلين باجتواء المدينة، كما هي عبارة "الكشاف"، والمذكور من "تفسير البيضاوي"، وعنه نقل المؤلف. والاجتواء بالجيم من قولهم: اجتويت البلد، إذا كرهت الإقامة فيها وإن كنت في نعمة، وأصل معناه: كراهيتُها لوخامتها المقتضيةِ للجوى، وهو المرض داء الجوف إذا تطاول. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٣/ ١٦٤). (٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٥٤٥)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٨٨). والخبر رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٨٢) عن مجاهد.