ولا يَذهَبْ عليك أن موجَبَ هذا أن يكون التمنِّي المذكورُ منهيًّا سواءٌ كان مقارِنًا للطلب أو لم يكن، فمَن وفِّق بالتعليل المذكور ثم قال: وأنَّه تَشَهٍّ (١) لحصول الشيء له من غير طلبٍ وهو مذموم؛ لأن تَمنِّيَ ما لم يقدَّرْ له معارضةٌ لحكم القدر، وتمنيَ ما قدِّر له بكسبٍ بطالةٌ وتضييعُ حظٍّ، وتمنيَ ما قدِّر له بغيرِ كسبٍ ضائعٌ وباطلٌ (٢) = لم يكن على بصيرةٍ.
ثم إنَّ قوله: معارضةٌ لحكم القدر، مبناه الغفولُ عما بُيِّن في موضعه من أنه لا حكم للقدر، وإلا يلزمُ الجبرُ وَيبطل التكليف.
ثم إن الشقَّ الأخير في معرض المنع؛ إذ يحتمل أن يكون ما قدِّر له بغير كسبٍ مشروطًا بالتمني فلا يلزم المحذور المذكور (٣).
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ بيانٌ لذلك؛ أي: لكلٍّ من الرجال والنساء نصيبٌ مقدَّرٌ على ما تقتضيه الحكمة (٤)، فلا ينبغي للمفضول أن يتمنى نصيب الفاضل.
(١) في النسخ عدا (ك): "تشهي"، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧١)، وهذا نص كلامه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ من الأمور الدنيوية كالجاه والمال، فلعل عدمه خير، والمقتضي للمنع كونه ذريعة إلى التحاسد والتعادي، معربة عن عدم الرضا بما قسم الله له، وأنَّه تشه .. ) إلى آخر ما قال مما نقله عنه المؤلف. (٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧١ - ٧٢). (٣) من قوله: "ثم إن الشق الأخير … " إلى هنا وقع في النسخ قبل ما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، لكن جرى التنبيه في هامش (م) أن موضعه هنا، وهو الصواب. (٤) في هامش (ف): "فيه رد لمن قال: فاطلبوا الفضل بالعمل لا بالحسد والتمني. منه". وفيه أيضا: "من قال: جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف الله من حاله الموجبة للبسط والقبض، فكأنه لم يعرف أن المعرف لا ينسب إليه تعالى. منه".