ثُمَّ صُوْرَةُ الْمَسْأَلَةِ: مَا إِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ أَرْضًا فِيْهَا نَخْلٌ وَشَجَرٌ وَزَرْعٌ، وَارْتَهَنَ ذَلِكَ مَعَهَا، وَهِيَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ (١)، فأَخَذَ السُّلْطَانُ الْعُشْرَ مِنْ الْغَلَّةِ (٢)، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ شَيْئًا مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ بِقَدْرِ الْعُشْرِ مِنْ الْغَلَّةِ قَضَى حَقَّاً وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوْزُ أَنْ يُسْقِطَ بِهِ الدَّيْنَ، إِذْ لَوْ سَقَطَ بِهِ الدَّيْنُ أَدَّى إِلَى أَنْ يَصِيْرَ قَاِضَيًا بِمَالٍ وَاحِدٍ حَقَّيْنِ، الدَّيْنُ وَالْعُشْرُ، وَهَذَا لَا يَجُوْزُ، وَلَا يَبْطُلُ بِهِ الرَّهْنُ فِيْمَا بَقِيَ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ نَصِيْبٍ يُسْتَحَقُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اسْتَحَقَّ قَدْرَ الْعُشْرِ مِنْ الرَّهْنِ ظَهَرَ أَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَصِحَّ فِيْ قَدْرِ الْمُسْتَحَقِ؛ لِأَنَّهُ مُلْكُ الْغَيْرِ، وَإِنَّمَا صَحَّ فِيْمَا [وَرَاءَهُ، وَما وَرَاءَهُ] (٣) مُشَاعٌ، وَرَهْنُ الْمُشَاعِ بَاطِلٌ، وَأَمَّا بِأَخْذِ الْعُشْرِ [لَمْ] (٤) يَظْهَرُ الرَّهْنُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُنْعَقِدًا عَلَى قَدْرِ الْعُشْر؛ لِأَنَّ قَدْرَ الْعُشْرِ كَانَ مُلْكَهُ أَيْضَاً (٥).
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ [بَاعَهُ] (٦) جَازَ الْبَيْعُ، وَلَوْ أَدَّى الْعُشْرَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ جَازَ، [فَصَحَّ] (٧) الرَّهْنُ فِيْ الْكُلِّ، ثُمَّ خَرَجَ هَذَا الْجُزْءُ بِأَخْذِ السُّلْطَانِ وَالْبَاقِيْ مَقْسُوْمٌ، فَلَمْ يَتَمَكَّنَ الشُّيُوْعُ فِيْ الرَّهْنِ لَا طَارِئًا وَلَا [مُقَارِنًا] (٨)، كَذَا فِيْ ["الْمَبْسُوْطِ"] (٩) (١٠).
(١) أَرْضُ الْعُشْر: هِيَ الْأَرْضُ الْعَشْرِيَّةُ، وَهِيَ: كُلُّ أَرْضٍ اسْتَأْنَفَ الْمُسْلِمُوْنَ إِحْيَاءَهَا، أَوْ الْأَرْضُ الَّتِيْ أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، أَوْ الْأَرْضُ الَّتِيْ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقُسِمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِيْنَ، أَوْ مَا فُتِحَ عُنْوَةً ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُهُ وَأُقِرُّوْا عَلَيْهِ. يُنْظَر: النُّتَف في الفتاوى للسُّغْدي (١/ ١٨٣)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٢/ ٥٧ - ٥٨).(٢) الْغَلَّة: وَاحِدَةُ الْغَلَّاتِ، َهِيَ: كُلُّ مَا يَحْصُلُ مِنْ نَحْوِ رِيْعِ أَرْضٍ أَوْ كِرَائِهَا أَوْ أُجْرَةِ غُلَامٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. يُنْظَر: الْمُغْرِب في ترتيب الْمُعْرَب (ص ٣٧٤)، مختار الصحاح (ص ٢٢٩)، الكليات للكفوي (ص ٦٦٣).(٣) في (أ): (وراه وما وراه).(٤) في (أ): (ثُمَّ).(٥) يُنْظَر: الأصل للشيباني (٣/ ٢٢٨)، المبسوط للسرخسي (٢١/ ١٦٣)، البناية شرح الهداية (١٢/ ٤٩٢).(٦) في (ب): (باع).(٧) في (أ): (وصَحَّ)(٨) في (ب): (مُقَارِباً).(٩) في (ب): ("المبسوطين").(١٠) يُنْظَر: المبسوط للسرخسي (٢١/ ١٦٣)، العناية شرح الهداية (١٠/ ١٥٢)، البناية شرح الهداية (١٢/ ٤٩٢).
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute