لأن الأمر والنهي مظنة عاقبته الابتلاء، فجات وصية لقمان الحكيم لولده بالصبر عقب وصيته بالأمر والنهي فقال له:{وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ}[لقمان: ١٧].
قال الطبري:«{وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ}[لقمان: ١٧] يقول: واصبر على ما أصابك من الناس في ذات الله، إذا أنت أمرتهم بالمعروف، ونهيتهم عن المنكر، ولا يصدّنك عن ذلك ما نالك منهم {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}[لقمان: ١٧] يقول: إن ذلك مما أمر الله به من الأمور عزمًا منه»(١). ويؤكد نفس المعنى تأخير التواصي بالصبر عن التواصي بالحق في سورة العصر، والله أعلم.
ويقول ابن كثير:«{وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ}[لقمان: ١٧]، علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر. وقوله:{إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}[لقمان: ١٧] أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور»(٢).
ويقول ابن سعدي:«ولما علم أنه لا بد أن يبتلى إذا أمر ونهى وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك؛ فقال:{وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ}[لقمان: ١٧] الذي وعظ به لقمان ابنه {مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}[لقمان: ١٧] أي: من الأمور التي يعزم عليها، ويهتم بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم»(٣). كما وصى الله بذلك رسوله -صلى الله عليه وسلم- بقوله:{وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}[المزمل: ١٠].
ويبيِّن شيخ الإسلام ابن تيمية جملة من الصفات التي يجب أن يتصف بها القائم بهذه الشعيرة وأن يتحقق بها ويصطحبها فيقول:«لا بد من العلم والرفق والصبر، فالعلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده»(٤).
(١) الطبري (٢٠/ ١٤٣). (٢) ابن كثير (٦/ ٣٣٩). (٣) ابن سعدي (٦/ ١٣٥٣). (٤) مجموع فتاوى ابن تيمية (جـ ٢٨) (من ص ١٣٤ إلى ص ١٣٧).