وَالْغَارِمِينَ لِقَضَاءِ دُيُونِهِمْ، أَوْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، كَالْعَامِلِ وَالْغَازِي وَالْمُؤَلَّفِ وَالْغَارِمِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ. وَالْحَجُّ مِنْ الْفَقِيرِ لَا نَفْعَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَيْهِ، وَلَا حَاجَةَ بِهِ أَيْضًا إلَيْهِ، لِأَنَّ الْفَقِيرَ لَا فَرَضَ عَلَيْهِ فَيُسْقِطَهُ، وَلَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِي إيجَابِهِ عَلَيْهِ، وَتَكْلِيفُهُ مَشَقَّةٌ قَدْ رَفَّهَهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَخَفَّفَ عَنْهُ إيجَابَهَا، وَتَوْفِيرُ هَذَا الْقَدْرِ عَلَى ذَوِي الْحَاجَةِ مِنْ سَائِرِ الْأَصْنَافِ، أَوْ دَفْعُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى، وَأَمَّا الْخَبَرُ فَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ غَيْرُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. ا. هـ.
• وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ، وَأَحْوَطُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَاسِعًا: ابْنُ السَّبِيْلِ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ هُوَ: الْمُسَافِرُ، الْمُجْتَازُ فِي بَلَدٍ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَكْفِيْهِ إِلَى بَلَدِهِ، وَالسَّبِيْلُ هِيَ: الطَّرِيْقُ، قِيْلَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُلَازِمُهَا بالْعُبُورِ. (١)
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: وَلِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ إلَّا الْغَرِيبُ، دُونَ مَنْ هُوَ فِي وَطَنِهِ وَمَنْزِلِهِ، وَإِنْ انْتَهَتْ بِهِ الْحَاجَةُ مُنْتَهَاهَا، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ عَلَى الْغَرِيبِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُعْطَى وَلَهُ الْيَسَارُ فِي بَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ، وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ فِي حَقِّهِ، فَإِنْ كَانَ ابْنُ السَّبِيلِ فَقِيرًا فِي بَلَدِهِ، أُعْطِيَ لِفَقْرِهِ وَكَوْنِهِ ابْنَ السَّبِيلِ، لِوُجُودِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ، وَيُعْطَى لِكَوْنِهِ ابْنَ سَبِيلٍ قَدْرَ مَا يُوْصِلُهُ إلَى بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، وَتُدْفَعُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فِي بَلَدِهِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوُصُولِ إلَى مَالِهِ، فَصَارَ كَالْمَعْدُومِ، وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى بَلَدِهِ رَدَّهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ لِلْحَاجَةِ، وَقَدْ حَصَلَ الْغِنَى بِدُونِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَ لِغَزْوٍ فَلَمْ يَغْزُ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا، أَوْ اتَّصَلَ بِسَفَرِهِ الْفَقْرُ، أَخَذَ الْفَضْلَ لِفَقْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَاتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِكَوْنِهِ ابْنَ سَبِيلٍ، حَصَلَ الِاسْتِحْقَاقُ بِجِهَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ غَارِمًا، أَخَذَ الْفَضْلَ لِغُرْمِهِ. ا. هـ. (٢)
(١) "المغني" (ج ٦/ صـ: ٤٨٤ - ٤٨٥)، و"الشرحِ الممتع" (ج ٦/ صـ: ٢٤٣).(٢) "المغني" (ج ٦/ صـ: ٤٨٥).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.