عندهم طول السنة ويقدد منه، وهو في غاية صدق الحلاوة وطيب الطعم مع ما يحكى من كثرة وجوده ورخصه. ومنهم من يستخرج ماءه ويعقد منه الحلواء.
وبمدنهم كثير من الخضراوات كاللفت والجزر والكرنب وغير ذلك، فأما في مدن الجركس والروس والآص، فإنه كثير عندهم جدًا. وبها العسل الكثير الأبيض اللون اللذيذ الطعم الخالي من الحدة.
وقد فشى الآن فيهم الإسلام، واشرق على أقطارهم نور الإيمان. وكان أوّل من دان بالدين الحنيف من ملوكهم بركة بن جوجي بن جنكزخان (١) ومنه لمعت في آفاقهم الشوارق إلى أن صدع الآن الضحى وتقلّصت في جمهورهم جلابيب الدجى إلا في النادر القليل.
ومع استعلائهم على جيوش الجركس والروس والماجار (٢) والأرمن (٣) يختلس تلك الطوائف أولاد هؤلاء وتبيعهم من التجار مع ظهور الإسلام في هذه الطائفة وإقرارهم بالشهادتين فهم مخالفون لأحكامها في كثير من الأمور.
وأول هذه الطائفة وآخرها لا يقفون مع ياسة جنكزخان وقوف غيرهم مع مؤاخذة بعضهم لبعض أشدّ المؤاخذة في الكذب والزنى ونبذ المواثيق والعهود.
ومن شأن ملوكهم إذا غضبوا على أحد من أتباعهم أخذوا ماله وباعوا أولاده؛ وكذلك إذا سرق سرقة استحق المسروق له مال السارق وأولاده وباعهم.
ومن خطب إلى أحد بنته وأعطاه القليل زوجه لها ثم لا يعود يسأله عنها كما ذكرنا في مملكة ما وراء النهر.
وقال لي المولى الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم: إنَّ لسلطان هذه المملكة على جميعهم خراج يتأدّى منهم؛ وربّما طولبوا بالخراج في سنة ممحلة لوقوع الموتان بدوابهم وسقوط الثلج وجماد الجمد فباعوا أولادهم لأداء ما عليهم.
وحدثني الشريف شمس الدين محمد الحسيني الكربلائي التاجر في شهر رجب الفرد سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة حال عوده من هذه البلاد، وكان قد تجوّل
(١) أسلم بركة بن جوجي بن جنكيز خان على يد معلمه المسلم «طبقات ناصري طبعه سخاو ٤٤٦». (٢) الماجار: قوم من الترك كانوا يسكنون في مدينة الماجر وهي مدينة كبيرة من أحسن مدن الترك على نهر كبير وبها البساتين والفواكه الكثيرة انظر: «رحلة ابن بطوطة ٢١٩». (٣) الأرمن هم أهل أرمينية (أرمنستان) الذين بقاياهم ببلاد سيس «صبح الأعشى ١/ ٣٧٠» وهي الآن جمهورية أرمينيا.