فيها في سفره وغرب فيها، ووصل إلى أقجاكرمان وبلاد البلغار، وقال لي: إنَّه اشترى في سفرته هذه مماليك وجواري من آبائهم وأمهاتهم لاحتياجهم لخروج يسق ملكهم إليهم بالركوب إلى بلاد إيران واحتاجوا إلى بيع أولادهم، وجلب رقيقًا عاليًا غاليًا.
وهذه المملكة قديمًا هي بلاد القبجاق فلما فاضت عليها التتار صارت القبجاق لهم رعايا، ثم خالطوهم وناسبوهم، وغلبت الأرض على الجبلة والأصل، فصار الكل كالقبجاق كأنهم جنس واحد لسكن المغل أرض القبجاق ومصاهرتهم لهم وبلادهم في أرضهم وهكذا طول المكث في كل بلد وأرض يحوز الحائز إليها، ويحول الغرائز إلى طباعها - كما قدمنا ذكره - وقد يقل اختلاف الألوان أو يزيد لسبب آخر غير البلدية.
قلتُ: ولقد كان في السرب والبلغار من قديم دار اسلام، ومستقر إيمان، ذكر هذا المسعودي في مروج الذهب وغيره (١). فأما الآن فقد تبدلت بإيمانها كفرًا، وتداولتها طائفة من عباد الصليب، ووصلت منهم رسل إلى حضرة سلطان مصر سنة إحدى وثلاثين بكتاب إلى سلطانها من صاحب السرب والبلغار يعرض نفسه على
(١) مروج الذهب ومعادن الجوهر من أهم كتب التاريخ في القرن الرابع الهجري مؤلفه أبو الحسن بن علي حسين المسعودي، ويتناول الكتاب وقائع البشر من مولد آدم حتى سنة ٣٣٢ هـ وهذا الكتاب مطبوع في أربعة مجلدات في عدة طبعات في القاهرة وبيروت ودمشق. أما المؤلف فهو علي بن الحسين بن علي أبو الحسن المسعودي، من ذرية عبد الله بن مسعود: مؤرخ، رحالة، بحاثة، من أهل بغداد أقام بمصر وتوفي فيها سنة ٣٤٦ هـ/ ٩٥٧ م. قال الذهبي: «عداده في أهل بغداد، نزل مصر مدة، وكان معتزليًا». من تصانيفه «مروج الذهب - ط» و «أخبار الزمان ومن أباده الحدثان تاريخ في نحو ثلاثين مجلدًا، بقي منه الجزء الأول مخطوطًا، و «التنبيه والإشراف - ط» و «أخبار الخوارج» و ذخائر العلوم وما كان في سالف الدهور» و «الرسائل» و «الاستذكار بما مر في سالف الأعصار» و «أخبار الأمم من العرب والعجم» و «خزائن الملوك وسر العالمين» و «المقالات في أصول الديانات» و «البيان» في أسماء الأئمة و «المسائل والعلل في المذاهب والملل» و «الإبانة عن أصول الديانة» و «سر الحياة» و «الاستبصار» في الإمامة، و «السياحة المدنية» في السياسة والاجتماع. وهو غير المسعودي الفقيه الشافعي وغير شارح المقامات الحريرية. ترجمته في: فوات الوفيات / ٢/ ٤٥ ولسان الميزان ٤/ ٢٢٤ وطبقات الشافعية ٢/ ٣٠٧ والنجوم الزاهرة ٣/ ٣١٥ وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٥٦٩ رقم ٣٤٣. وتذكرة الحفاظ ٣/ ٧٠ و S.i: ٢٢٠ BROCK وقال «فازيليف في كتابه العرب والروم ٣٨٢ إن كتب المسعودي مما يقرأه المسلمون والأوربيون على السواء ويجدونه ممتعًا طليًا. ولذا استحق لقب هيرودوت العرب» وهو اللقب الذي أضفاه عليه «كريمر» في «الثقافة في الشرق» ٢/ ٤٢٣ ووفاته في بعض المصادر سنة ٣٤٥، الأعلام ٤/ ٢٧٧.