وكانت غزنة دارهم ومثواهم استمروا بها، ونقلوا عن بخارى قاعدة الملك إليها، ثم تناوب بنوه الجلوس على سريرها، ثم استقرت الملوك الغورية وقاعدة سلطانهم ومنبع أعوانهم.
وغزنة مخصوصة بصحة الهواء، وعذوبة الماء والأعراض بها قليلة؛ وأرضها لا تولد الحيات والعقارب والحشرات المؤذية؛ ومنها خرج الرجال الأنجاد. وتأمل مواقف ملوكها في غزو الهند والترك وذبهم عن بيضة الإسلام والملك وما أبقت آثار الغورية ﵏ على قصور عددهم وقصر مددهم، لقد كملوا ما بدأ به السلطان محمود بن سبكتكين في غزوات الهند وشنوا بها الفتوح حتى دخل الإسلام تلك الممالك العظمى.
وعلى الحقيقة ما فتحوا الهند بل فتحوا الدنيا وبذلك على هذا ما تقدم ذكره. وأما غزنة فهي مدينة مضايفة للسند، وقيل: إنها منها.
وقال صاحب كتاب صفة الأرض: إنَّ غزنة من بلاد السند؛ وهي واقعة في الثالث.
قال أبو سعيد منصور - زعيم جرجان (١) - ولم أر بلدة في الصيف أطيب، وفي الربيع أشبه، وفي الخيرات أنظف من غزنة؛ وهي قليلة الأشجار؛ ولهذا صح هوائها وسلم من مرورها على النقائع الوخمة، وأصول الشجر المعفنة.
وأما تركستان فمملكة لو انفردت لكانت ملكًا كبيرًا وسلطنة جليلة، زهرة الدنيا وطراز الأرض بلاد الترك حقيقة من كناسها رتعت غزلانها، ومن غاباتها أصحرت ليوثهم.
وهي إقليم فسيح المدى، قديم الذكر منشأ حماة ومشرب كماة؛ وهي المرادة بقولهم: بلاد الترك، ولم تزل الملوك تلحظها لاتقاء بوادرها، والتقاء زواخرها فأشدّ ما أنكرت فجاءت قدامهم في سورة غضبهم ولفحة نارهم فأمالت السيوف حصائد آجالهم، ولم يبق إلا من قل عديده.
حكى لي من جال في رساتيقها وجاز في قراها: أَنَّه لم يبق من معالمها إلا رسوم دائرة، وأطلال بالية على البعد.
والقرية مشيدة البناء مخضرة الأكناف، فيأنس لعله يجد بها أنيسًا ساكنًا، فإذا جاءها وجدها عالية البنيان خالية من الأهل والسكان إلا أهل العمد وأصحاب
(١) جرجان هي كركان، إقليم في شمال إيران مجاور لخوارزم ويقع الآن في جمهورية تركمانستان.