يقصر عن عشرة أيام فأين غوطة دمشق من هذا؟ أو كلها من منبع الماء من واديها إلى تناهيه لا يبلغ نصف يوم مع كون السعد مكشوفًا كتنافر العين من أوله إلى آخره في فرد مدى نظر وما غوطة دمشق هكذا لاكتناف الجبلين لواديها؛ ولأن أنهار السغد واضحة في خلل خمائلها ممتدة في بسيط الحضرة لا يحتجب ولا يخفى عن العين، وليست الأنهار بدمشق مكشوفة إلا في مجرى الوادي بها. فأما إذا أشرف المستشرف عليها فإنه لا يرى إلا ما يليه، ولا تقع عينه إلا على ما يحاذيه، ولقد بقي من سمرقند منعة الأبصار على ما نابها من النوائب واعترت أنهارها من الشوائب، وبليت به أغصانها مما تشيب له الذوائب أيام جنكزخان وأبنائه، وما رميت به من حوادث الحدثان في تلك المدد، وإذا حصل الإنصاف قيل: إنَّ غوطة دمشق قطعة من سعد سمرقند.
وأما البتم فهو جبال شاهقة سامقة منيعة، والغالب عليها النزهة والخضرة والبقلة المعروفة بالطرخون (١)؛ وهي قرى آهلة بالناس.
وبالبتم حصون منيعة جدًا، وفيها معادن ذهب وفضة وزاج ونوشاذر؛ وفي كل جبل من جبال البتم كالغار وقد بني عليه واستوثق من أبوابه وكواه. وفيها عين يرتفع منها بخار يشبه الدخان بالنهار والنار بالليل؛ فإذا تلبد هذا الدخان في حائط ذلك البيت وسقفه قلع منه النوشاذر. وداخل هذا البيت من شدة الحر ما لا يتهيأ لأحد أن يدخله إلا احترق إلا أن يلبس اللبود المبلولة، ويدخل المختلس ويأخذ ما يقدر عليه حتى يظهر، فإذا خفي في مكان حفر عليه في آخر إلى أن يوجد؛ وإذا لم يكن عليه مبنيًا يمنع البخار من التفرّق لم يضر من قاربه حتى إذا اختنق في بيت احترق من يدخله لشدة الحر (٢).
وأما غزنة (٣) فكانت مستقر سبكتكين (٤) - والد السلطان يمين الدولة وأمين الملة محمود - فلما انقرضت الدولة السامانية بابتداء أيامه وتبدلت ملاهيهم بحد حسامه.
(١) الطرخون: هو الترخون نوع من الخضروات (فرهنك رازي ٥٧٤) بقلة زراعية معمرة، أوراقها تؤكل «المعجم الوسيط ٢/ ٥٧٣». (٢) انظر: صورة الأرض ٤١٥. (٣) غزنة: بلد السلطان محمود بن سبكتكين، كانت كبيرة شديدة البرد «رحلة ابن بطوطة ٢٦١». (٤) سبكتكين هو ناصر الدين سبكتكين، كان مملوكًا لأليتكين وعمل بحجابة أبي إسحاق حتى مات الأخير فتولى أمر غزنة وأسس دولة الغزنويين «انظر: أخبارها في زين الأخبار رديزي ٥٤، روضة الصفا ١٢٩ وما بعدها، ابن كثير ١١/ ٢٨٦، ابن الأثير ٧/ ٨٦».